كل هذه الأمور يقام بها نصيحة لهم على الوجه الشرعي ومباعدة عن النهج البدعي، وفي مسند أحمد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من أراد أن ينصح لسلطانٍ بأمرٍ فلا يبد له علانيةً، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلَّا كان قد أدَّى الذي عليه له» [1] .
وهذا الحديث أصل في إخفاء النصيحة للسلطان وأن الناصح إذا قام بالنصح على هذه الوجه فقد برئ وخلت ذمته من التبعة، وذلك لأن إخفاء النصيحة لولي الأمر والإسرار بها له من الشفقة عليه ومحبة هدايته، وإشهارها والتشهير به من إهانته، وأي فلاح يصيب قومًا أهانوا سلطانهم علانية، فقد جاء في مسند أحمد وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أكرم سلطان الله تبارك وتعالى في الدُّنيا أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله تبارك وتعالى في الدُّنيا أهانه الله يوم القيامة» [2] .
ومن إهانة السلطان إظهار عيوبه وتقصيره والحديث عن جوره وظلمه أمام العامة ونصيحته مجاهرة، فإن الكلام في ولاة الأمر على هذا النحو من المنكرات والفتن فلا يغتر بمن يفعل ذلك ولو حسنت نيته واشتهر فضله؛ فإنه خلاف نصوص الشرع ومنهاج السلف وهو شؤم وفتنة ومن طريقة أهل الأهواء والبدعة، وإن الحق أحق أن يتبع وماذا بعد الحق إلا الضلال.
ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان لتكلمه فقال: «إنكم لترونَ أنِّي لا أكلِّمه إلَّا أسمعكم إنِّي أكلِّمه في السِّرِّ دون أن أفتح بابًا لا أكونُ أوَّل من فتحهُ» [3] .
قلت: يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ لما في ذلك من الفتنة العظيمة من تنقص السلطان، وجرأة أهل الأهواء على الولاية وتهييج الغوغاء.
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
(3) أخرجه البخاري برقم (3267) ، ومسلم برقم (2989) .