الصفحة 28 من 40

ولذا كانت الوصية بالصبر على جور الأئمة أصلًا من أصول أهل السنة والجماعة لما فيه من جلب المصالح ودرء المفاسد وتقليل الشرِّ، وهو من جنس الصبر عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور والمنهي لما يرجى أن يتحقق به من المصالح الراجحة ودفع المفاسد الكثيرة، فأهل السنة والجماعة يقابلون جور السلطان بالتوبة إلى الله تعالى من الخطايا والضراعة إلى الله بالدعاء والصبر والاحتساب، ويرجون به حطِّ الخطايا وكثرة الثواب، مع انتظار الفرج القريب.

وقد جاءت النصوص الكثيرة حاثّةً على الصبر على جورهم كقوله - صلى الله عليه وسلم: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه؛ ِ فإنَّه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلَّا مات ميتةً جاهليَّةً» [1] ، متفق عليه.

وقوله - صلى الله عليه وسلم: «من كره من أميره شيئًا فليصبر» [2] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «إنَّكم سترون بعدي أثرةً فاصبروا حتَّى تلقوني على الحوض» [3] .

فيجب الحذر من التحريض على السلطان والتعرض له بالتنقص من قدره أو الوقيعة في عرضه بسبب ظلمه وجوره، لما في الترمذي عن أبي بكرة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله» [4] ، وقال حذيفة رضي الله عنه: «ما مشى قوم إلى سلطان الله في الأرض ليذلوه إلا أذلهم الله قبل أن يموتوا» [5] .

والواقع شاهد بذلك، فكل من سعى في تحريك فتنة على السلطان لابد أن يرى الذل والإهانة قبل موته، وهذا من العقوبات القدرية.

* قال الإمام ابن زمنين رحمه الله:

(1) أخرجه البخاري برقم (7054) ، ومسلم برقم (1849) ، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

(2) سبق تخريجه.

(3) أخرجه البخاري برقم (3163) ، من حديث أنس رضي الله عنه.

وأخرجه مسلم برقم (1061) ، من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.

(4) سبق تخريجه.

(5) سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت