قال رحمه الله تعالى: (كالحدث إذا دخل في الطهارة) فإنه يفسدها مهما كانت الطهارة مجودة محسنة، قد أسبغ فيها الوضوء، واعتنى فيها بتكميل السنن، بعد فعل الواجبات، إلاّ أنه إذا أحدث ماذا يقال له؟ يقال له: أعد الطهارة، فكذلك العبادة إذا دخلها الشرك.
قال رحمه الله تعالى: (فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك) المشار إليه: هو (معرفة ذلك) أي: معرفة التوحيد، الذي تصح به العبادات.
ثم قال رحمه الله تعالى: (لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة) وهذا فيه فائدة، وثمرة من ثمار دراسة التوحيد، الحرص على التخلص من الشرك، وانظر كيف شبه الشرك بالشبكة، فالشبكة إذا علق بها قدم الإنسان ماذا يكون به، وما الذي يحصل له؟ الذي يحصل أنه يسقط، ثم قد يتعلق بجميع بدنه إذا حاول فكها، فتعلق بها يده، ثم يحاول باليد الأخرى فتعلق، حتى لا يستطيع أن يتخلص، وهذا تمثيل بديع للشرك، فإن الإنسان إذا تساهل في يسير الشرك أوشك أن يقع في عظيمه، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: (( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ) ) [1] وهم الذين كسروا الأصنام، وجاهدوا المشركين، وفعلوا ما فعلوا من أعمال لإقامة التوحيد، ولذلك قال: (( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ) )فلما سئل عنه قال: (( الرياء ) ). فيجب على المؤمن أن يحذر من الشرك، دقيقه وجليله، فإن الشرك في الأمة كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - خفي كنملة سوداء، على صفاة سوداء، في ليلة ظلماء، أنَّى ترى؟ وكيف تتقى؟ فيجب على المؤمن أن يحذر ذلك، وأن يكثر من قول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم، كما وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر إلى ذلك [2] .
(1) أخرجه أحمد في باقي مسند الأنصار، برقم: 22523، و 22528.
(2) الأدب المفرد، رقم 716.