نفى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الفلاح عنه في وهاذا الحديث، وهاذا يناسب أن يكون الرّجل قد وقع في الشرك الأكبر؛ لأنه هو الذي ينتفي به الفلاح كليًّا أبديًّا {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [1] هاذا في الشرك الأكبر {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ، [2] أما الشرك الأصغر فإنه دون ذلك فالفلاح، المنفي فلاح نسبي؛ لأنه إذا عُوقب على شركه آل إلى الجنة وكان من المفلحين بعد التمحيص والتنقية والتطهير.
فلماذا نفى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الفلاح الكلي في قوله: (( ما أفلحت أبدًا ) )؟
قال العلماء: لعل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- علم من حاله أنّ هاذا الرجل يعتقد أن الخير صادر عن هاذه الحلقة التي في يده، وأن دفع الشر منها، ولا شك أن اعتقاد ذلك شركٌ أكبر بالله رب العالمين. لأن لابس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه لا يخلو من حالين:
الحالة الأولى: أن يلبس ذلك معتقدا أنها سبب لجلب الخير أو رفع البلاء أو دفعه. وفي هاذه الحال يكون شركه من الشرك الأصغر لأنه من شرك الأسباب الذي هو التفات إلى السبب.
الحالة الثانية: أما إذا كان يعتقد أن الحلقة أو الخيط أو ما علقه يدفع عنه الشر بنفسه ويجلب إليه الخير بنفسه، هاذا شركه أكبر، وهو شرك في الربوبية، فهو أثبت خالقا مدبرا غير الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالى فيكون بذلك من الشرك الأكبر.
وهاذا معنى الكلام الذي ذكرناه في أول الدرس، عند كلامنا على الترجمة أنه يحتمل أن يكون من الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، بناء على قصد الفاعل وما قام في قلبه.
(1) سورة: المائدة، الآية (72) .
(2) سورة: النساء، الآية (48، 116) .