ومن السنة الحديث المشهور في قصة الرجل الذي أمر أولاده بأن يحرقوه ثم يذروه فلما جُمع قيل له: ما حملك على هاذا؟ قال: خشيتك، وقد قال في تعليل هاذا الفعل: فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا لا يعذبه لأحد، فشك في حصول القدرة [1] .
المهم أن الأدلة كثيرة تدل على العُذر بالجهل، ولا يمكن أن يؤخذ حكم عام في مسألة خطيرة من مجرد حديثٍ واحد لاسيما أن الأحاديث الأخرى تعارض هاذا الحديث.
وأن عدم عُذر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هاذا الرجل بالجهل غير ظاهر في الحقيقة؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمره بنزعها فقال: (( انزعها ) )ثم بين له حكم النزع أو بين له علة النزع فقال: (( فإنها لا تزيدك إلا وهنًا وإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا ) )فهاذا بيان لحكم لُبس مثل هاذا، وهاذا الحكم إنما يثبت بعد العلم ولا ندري أن هاذا الرجل كان عالمًا بالحكم أم لا، وكون الحكم يقرن بالعلة لا يلزم أن تثبت هاذه العلة قبل بلوغ الحكم.
وعلى كل حال فيمكن أن يقال في جواب هاذا: إنه قضية عين، إن سلمنا على عدم العُذر بالجهل فيمكن أن يقال بأنه قضية عين.
وأما بالنسبة للشيخ -رحمه الله- شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب فإنه رحمه الله له نصوصٌ صريحة يُفهم منها ويُعلم أنه ممن يقول بالعُذر بالجهل، وكذلك أئمة الدعوة، ففي مؤلفاتهم وكلماتهم ما يدل على أنهم يعذرون بالجهل، وأن الجهل عندهم من موانع التكفير، ومن موانع إثبات حكم الكفر ولعل الله ييسر بسط هاذه المسألة في غير هاذا الموضع.
[المتن]
الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة بل تضُر لقوله: (( لا تزيدك إلا وهنًا ) ).
[الشرح]
(1) متفق عليه: البخاري (7506) ، ومسلم (2756) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.