وهاذا فيه التقبيح لصنيع هؤلاء، حيث نسبوا لله -عز وجل- ما يكرهون نسبته لأنفسهم كما قال الله عز وجل: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ} [1] . فجعلوا لله عز وجل البنات، وكان أحدهم إذا بشر بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم، فعاب عليهم بقوله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى} . في الآية التالية قال: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [2] . أي قسمة جائرة غير عادلة أن ترضوا لأنفسكم بالكمال ولربكم المستحق لغاية الكمال ترضون له ما تكرهون أن تنسبوه لأنفسكم وأن يكون لكم، والشاهد من هاذه الآية قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} وهو أنهم جعلوا هاذه الأصنام من الأحجار والأشجار محلاًّ للتبرك بطلب الخير منها، والذبح لها وتلقي ما يظنونه أنه يأتي من قِبلها من الخير، وهم بهاذا مشركون شركًا أكبر، وهاذا النوع من التبرك من الشرك الأكبر؛ لأنه يجعل البركة لغير الله استقلالًا، والأصل في البركة أنها منه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-؛ لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( البركة من الله ) )وهاذا حديث خاص، وأما الحديث العام فقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( والخير كله في يديك ) ). فأثبت رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- البركة لله بلفظ عام وبلفظ خاص: اللفظ العام قوله: (( والخير كله في يديك ) )، واللفظ الخاص قوله: (( البركة من الله ) ).
ثم قال: (عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى حنين.) ... وحنين كانت بعد فتح مكة، وهي مكان بين مكة والطّائف. (ونحن حدثاء عهد بكفر) المراد أنهم قريبٌ عهدهم بالكفر، فإنهم خرجوا منه قريبًا ودخلوا في الإسلام عن قرب، هاذا معنى قوله: (حدثاء عهد بكفر.)
(1) سورة: النحل، الآية (62) .
(2) سورة: النجم، الآية (22) .