الصفحة 208 من 952

{وَنُسُكِي} : النسك في اللغة يطلق على العبادة، ومنه قول الله جل وعلا: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} [1] . ومنه قول الله عزّ وجل في دعاء إبراهيم وإسماعيل: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [2] أي طرق عبادتنا إياك. ويُطلق ويراد به الذبح. وهاذان قولان في النسك هنا: فعلى الأول يكون عطف النسك على الصّلاة من باب عطف العام على الخاص، وأما على القول الثاني وأن المراد بالنسك الذبح فيكون عطف عمل على عمل، وخص هاذان العملان بالذكر دون غيرهما لأنهما أعظم الأعمال: فالصلاة أعظم الأعمال البدنية، والذبح أعظم القرب والأعمال المالية، فإذا كان الصلاة والذبح وهما أعظم العبادات لله عز وجل فغيرهما من باب أولى، إخلاص هذين لله يستلزم إخلاص سائر الأعمال له -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.

وقوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} .

{وَمَحْيَايَ} : أي أمر محياي، وما يكون فيه.

{وَمَمَاتِي} : أي ما يكون في مماتي لله عز وجل، فهو الذي يدبر أمر محياي وهو الذي يدبر أمر مماتي، فيكون هنا قد ذكر توحيد الإلهية وتوحيد الرّبوبية: توحيد الإلهية في قوله: {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} وتوحيد الربوبية في قوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

وقيل: إن قوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} المراد بذلك العمل في المحيا والممات، أما العمل في الحياة فواضح، وهو ما يتقرب به الإنسان إلى ربه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- في حياته من صلاة وزكاة وصيام وحج وإحسان وغير ذلك من الأعمال.

وأما قوله: {وَمَمَاتِي} فالمراد بالممات ما قارب الموت من العمل، وهو ما يكون في سياق الموت والاحتضار، وهاذا فيه بيان أن عمله كله لله -عز وجل- في حال قوته ونشاطه وفي حال ضعفه وانتهائه؛ ليبين أن جميع ما يكون منه لله عز وجل، وكلا المعنيين قال بهما أهل التفسير.

(1) سورة: الحج، الآية (67) .

(2) سورة: البقرة، الآية (128) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت