الصفحة 321 من 952

وأما قول الراوي: (فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [1] . فظاهر هاذا السياق أن هاذه الآية نزلت في هاذه الحادثة، وهي نزلت متأخرة، وبعض العلماء يقول: لا يمنع أن يكون النزول قد تكرر، فنزلت في هاذا الأمر، ونزلت أيضًا في استئذان النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الله - عز وجل- أن يستغفر لأمه، ولكن الظاهر أنها نزلت في ذلك، وأما ما نزل في هاذا الحدث فهو قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء} [2] .

الاستغفار للمشركين ما حُكمه؟ بعد الموت محرَّم ولا إشكال؛ لقوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [3] .

في الحياة ما حكمه؟ الصحيح أنه جائز، أن يستغفر الإنسان للمشرك، ومنه قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في غزوة أحد: (( اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون ) ).

ولكن اعلم أن المغفرة التي سألها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لقومه وهم مشركون في حياتهم ليست المغفرة التي هي العفو عن الشرك، فالشرك لا يقع تحت المغفرة: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [4] . إنما هي طلب هدايتهم والتوبة عليهم، بترك الشرك، فقول النبي-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ). هو كقوله: اللهم اهدهم، اللهم تب عليهم من هاذا الشرك، وليس المقصود أن يبقوا على شركهم ويغفر لهم، فهاذا ممتنع؛ لأن الله قد بين أنه لا يغفر الشرك: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [5] .

(1) سورة: التوبة، الآية (113) .

(2) سورة: القصص، الآية (56) .

(3) سورة: التوبة، الآية (113) .

(4) سورة: النساء، الآية (48) .

(5) سورة: النساء، الآية (48) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت