فهرس الكتاب
المرجّح الثاني الذي يدلُّ على أن المراد بأهل الكتاب النصارى هو السياق، فإنَّ السياق في الحديث عن غلو النصارى في المسيح ابن مريم عليه السلام وفي أمه، ثم جاء بعد ذكر هاذا الغلو قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [1] . ولذلك ذهب جماعة من العلماء إلى أنَّ المراد بأهل الكتاب النّصارى، وقال آخرون: إن المراد اليهود والنصارى؛ لأن اليهود حصل عندهم غلو أيضًا، لكنه ليس غالبًا ولكنَّه في بعض طوائفهم، وهم الذين قالوا: عزيرٌ ابن الله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [2] . لكن الظاهر أن المعنى الأول هو المتبادر، وأنَّ الخطاب للنصارى؛ لأن الآية في خاتمتها تدل على ذلك، حيث قال الله جل وعلا: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [3] . كلُّ هاذا في إثبات ضلال هؤلاء، والضلال وصفٌ للنصارى، والضلال هو عدم الهدى، وأما اليهود فوصفهم الغضب واللعنة؛ لأنهم أهل غيّ، وهم الذين لم يعملوا بالعلم ولم يعملوا بالهدى، فالآية تدلّ بسياقها وسباقها على أن المراد بالنداء في قوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} النّصارى.
ثم قال تعالى بعد النداء: {لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} وهاذا نهي عن الغلو، والغلو في الأصل هو مجاوزة الحد، وهو الزيادة على المشروع.
وقوله: {فِي دِينِكُمْ} يشمل كلَّ ما يُدان به من قول أو اعتقاد أو عمل، فنهى الله -جلَّ وعلا- أهلَ الكتاب عن الغلو في الدين وهو الزيادة، ومن الغلو في الدين الزيادة فيما شرع الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
واعلم أنَّ الغلوَّ الذي نهت عنه الشريعة نوعان:
نوع يعود على العبادة بالإبطال.
(1) سورة: المائدة، الآية (77) .
(2) سورة: التوبة، الآية (30) .
(3) سورة: المائدة، الآية (77) .