فهرس الكتاب
(عُبدت) أي: عُبدت من دون الله؛ وذلك أن الشيطان جاءهم وقال لهم: إن سلفكم كانوا يدعون هؤلاء ويعبدونهم ويستمطرون بهم ويستسقون، فعبدوهم من دون الله فوقع الشرك، وبهاذا يتبين جليًّا واضحًا أن سببَ الشرك كان منشؤه من الغلو في الصالحين، فنشأة الشرك إنما كانت ناتجة عن الغلو في الصالحين، وهاذا الذي جعل رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يحذر من الغلو تحذيرًا فعليًّا وفي مناسبات كثيرة؛ لأن الغلو في الصالحين يفضي بالغالين تدريجًا إلى عبادة هؤلاء الذين وقع فيهم الغلو من دون الله، وقد صارت هاذه الأصنام إلى العرب. هل صارت بأعيانها؟
بعض الناس يقول: صارت بأعيانها إلى العرب، فتفرقت في جزيرة العرب، شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، فاتخذ كلُّ قوم صنمًا من هاذه الأصنام يُعبد من دون الله.
وقال آخرون: إنه يبعد أن تكون أعيان تلك الأصنام حَيِيَت؛ لأن الطوفان درَس كل ما كان موجودًا من الشرك وأهله، وإنما الذي حيي وعاد في العرب هو أسماء أولئك؛ وذلك أنَّ الذين نجوا مع نوح في السفينة كانوا يذكّرون أقوامهم وذرياتهم بنعمة الله عليهم، ويحذرونهم من الشرك، ويذكرون أن أقوامهم كانوا يعبدون كذا وكذا وكذا، فبقيت هاذه الأسماء حتى آلت إلى العرب.
(وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا) أي هؤلاء الصالحون (عكفوا على قبورهم) . من الذي عكف؟ هؤلاء القوم الذين عظموا هؤلاء الصالحين، ومعنى العكوف: الملازمة، أي: لازموا قبورهم، وليس المراد من العكوف الاعتكاف الذي هو لازم لنوع العبادة، وإنما المقصود أنهم لازموا قبورهم، والملازمة إما أن تكون بكثرة المجيء إليها أو بالإقامة عندها.
(عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم) . عكفوا عليها يتذكرون عبادتهم وما كانوا عليه من الخير، ثم سوَّل لهم الشيطان أن يصوروا تماثيلهم، أي: تماثيلَ تُشبه أولئكَ الصالحين.