فهرس الكتاب
(ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم) أي: عبدوهم من دون الله عز وجل. وبهاذا نعلم أنَّ الفتنةَ وقعت أولًا بالغلو، وثانيًا بالقبور، وثالثًا بالتصاوير. والمراقبُ لأفعال أهل الشرك قديمًا وحديثًا يجد أنهم يعظمون صالحيهم ومن يعتقدون فيهم الصلاح، ويعظِّمون المشاهد والقبور، ويعظمون التصاوير، وهاذه هي أصول الشرك ومنابع الشر، ولذلك جاء التحذير من هاذا كله: فجاء النّهي عن الغلو، وجاء النهي عن التصوير، وجاء النهي عن الصلاة في القبور والعبادة عندها، كما سيأتي.
فبدأ المؤلف -رحمه الله- بأصلِ هاذه الأسباب الشركية وأولها وهو الغلو في الصالحين، فبيَّن نهي الله عز وجل، ونهي رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن الغلو في الصالحين.
قال المؤلف رحمه الله: (وعن عمر بنِ الخطاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال:(( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله ) ). أخرجاه.)
هاذا الحديث ذكر الحافظ ابن حجر -رحمه الله- أن سبب تكلم النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بذلك ما جرى من معاذ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لما قدِم من الشام، فإنه سجد للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فلما قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( ما هاذا؟ قال: رأيتهم يفعلون ذلك بأحبارهم ورهبانهم وعظمائهم، ففعلته. فنهاه رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن ذلك، وقال: لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعِظم حقه عليها ) ).