الصفحة 346 من 952

الله المستعان، على كل حال نؤجل الكلام على هاذه المسألة بعد استكمال البابين حتى يتبين عِظم الغربة التي أشار إليها الشيخ -رحمه الله-، فالآن إذا اقتصرت على قولك: (رسول الله) أو: (اللهم صل على محمد) ولم تقل: (سيدنا) أو لم تقل: (حبيبنا) أو ما أشبه ذلك، عدَّ الناس ذلك بخسًا لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حقه، واتهموا من لا يقول ذلك بأنه يبغض رسول الله، وهاذا مما يبيِّن لنا غُربة الإسلام، وأنَّ كثيرًا من الناس من هؤلاء المنحرفين ليس عندهم من الإسلام إلا هاذه القشور التي يتعلقون بها ويظنون أنها الدين، وهي مخالفة لما جاء به الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

أعظم الناس تعظيمًا لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هم أصحابه، ومع ذلك يقول أنس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: (( لم يكن أحدٌ أشد محبة لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من أصحابه، وكانوا إذا رأوه لا يقومون له ) )لماذا؟ لما يعلمون من كراهيته ذلك، فلم يعظموه بالقيام، مع أننا الآن لو دخل علينا رجل كبير في منصبه أو في علمه أو في مكانته؛ رأينا من أنفسنا لزامًا أن نقوم له، وأننا إذا لم نقم فإننا نكون قد بخسناه حقه، ورسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بين أظهرهم يُمَدّ بالوحي من السماء ويرون على يديه الآيات العظام، ومع ذلك كانوا امتثالًا لأمره ونزولًا عند رغبته ومحبته لا يقومون له -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لِما يعلمون من كراهيته لذلك.

[المتن]

الثانية: معرفة أول شرك حدث على وجه الأرض أنه بشبهة الصالحين.

[الشرح]

وهاذا واضح فيما جرى من تعظيم قوم نوح لمن عظموهم في قولهم: {لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [1] ، وتقدَّم أنَّ هاذه أسماء رجالٍ صالحين.

(1) سورة: نوح، الآية (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت