الصفحة 449 من 952

وأما (( الطيرة ) )فالطيرة معروفة وسيأتي لها باب مستقل، والطيرة مأخوذة من التطير وهو التشاؤم بمعلوم أو مسموع أو مرئي، وذكرها استقلالًا مع أن من صورها العيافة، لكن لأن التطير لا يستقل بالطيور فقط، بل يكون بالطير وبغيره، ذكره على وجه الاستقلال، فتبين من هاذا أن الذي له صلة قال: (( من الجبت ) )أي من السحر، كما فسر ذلك عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في قوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [1] . وذكر المؤلف هنا تفسير الحسن للجبت قال: (رنة الشيطان) . (رنة) أي صوت، و (الشيطان) معروف، فهو صوت الشيطان؛ فالعيافة والطرق والطيرة كلها من الجبت الذي هو رنة الشيطان، وهو صوته وعمله وكيده ومكره.

وقد تقدم في الدّرس السابق أن الجبت يُطلق على الأفعال والأقوال الباطلة، يعني: يطلق على الأفعال والأقوال التي يحصل بها الطغيان، وأما الطاغوت فهو يطلق على الأشخاص التي يحصل بها الطغيان، والشاهد في هاذا الحديث قوله: (( والطرق ) )لأن الطرق نوع من قراءة النّجوم التي سيأتي حكمها بعد قليل، فهي نوع من السحر، والمعنى العام للسحر يشمل هاذه الأنواع كلها؛ لأنها توصل إلى ما يزعم أنه سيقع في المستقبل من طريق خفي؛ لأنه ما فيه مناسبة بين زجر الطير وبين ما يقع في المستقبل، ولا هناك مناسبة بين الخط وما يقع في المستقبل، ولا هناك مناسبة بين الطيرة وما يقع في المستقبل، فهو إخبار بما سيقع أو توقّع لما سيقع من طريق خفي، ولذلك سمي جبْتًا وهو السحر كما فسّره عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وقد تقدم أن السحر هو كل ما لطف ودق وخفي سببه.

يقول رحمه الله: (ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه) يعني هاذا الحديث مخرج عند هؤلاء.

(1) سورة: النساء، الآية (51) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت