الصفحة 456 من 952

وإنما سميت النميمة سحرًا لأنها يحصل بها من الفساد ما يحصل بالسحر، بل قد قال بعض السلف: إن النمام يفسد في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة؛ لأن مقصود الساحر الإفساد والتفريق بين الناس وهاذا هو غرض النمام، ولذلك لما ذكر الله -عز وجل- السحر في آية البقرة قال: {يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [1] . فجعل مقصودهم من السحر التفريق بين المرء وزوجه، وهاذا يحصل بالسحر ويحصل بالنميمة، فالنميمة نظير السحر، ولذلك جعلها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من قبيل السحر، فالنميمة لما كانت تفسد كما يفسد السحر ألحقت به، وإن كانت النميمة ليست من السحر الكفري، إنما هي من السحر الذي هو من كبائر الذنوب، (رواه مسلم) .

قال: (ولهما) أي للبخاري ومسلم (عن ابن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال:(( إن من البيان لسحرًا ) )). إن من البيان، والبيان المراد به الإظهار، ويطلق أيضًا البيان على الظهور والمقصود به هنا كلام المتكلمين، إنّ من كلام الناس ما يكون سحرًا، إن من بيان الناس ما يكون سحرًا.

وسمي بالسحر: إما لكونه يأخذ القلوب ويسلب الألباب بجماله وحسن رصفه، فيحصل به المتكلم مقصوده من وجه خفي، وهاذا يكون ممدوحًا أو مذمومًا؟ هاذا يختلف باختلاف المقصود، فإن كان المقصود منه الخير والحق فهو ممدوح، وإلا فهو مباح إذا كان لتحصيل لأمر دنيوي لا محذور فيه، وأما إن كان مقصوده شرًّا فهو شر ومحرم.

(1) سورة: البقرة، الآية (102) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت