وعلى هذين القولين يترتب الخلاف في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [1] أشد حبًّا ممن؟ قالوا: أشد حبًّا لله من محبة المشركين للأصنام هاذا المعنى الأول.
المعنى الثاني: قالوا: أشد حبًّا لله من محبة المشركين لله، فالموازنة في محبوب واحد لا في محبوبين، والمحبوب الواحد هو الله، والذي جعل المؤمنين أشد حبًّا لله من المشركين أن المؤمنين أخلصوا المحبة، فلم يقع في قلوبهم تشتّت ولا تفرق بخلاف المشركين فإنهم شتتوا المحبة وفرّقوها، ومعلوم أن من وحّد القصد والوجهة ليس كمن شتتها وفرقها، والذي يظهر من القولين هو القول الثاني، وهو أن الموازنة في محبوب واحد لا في محبوبين؛ لأن به يتبين فضل الإخلاص، وليست الموازنة بين محبة المؤمنين لله، ومحبة المشركين للأصنام؛ لأنه لا موازنة في هاذا، فأهل الإيمان محبتهم لله -عز وجل- أعظم وأكبر من محبة المشركين لأصنامهم وأوثانهم وأندادهم.
المحبة التي في الآية، ما هي المحبة التي في الآية؟ هي المحبة العبادية التي لا تكون إلا لله -عز وجل-، فخرج بذلك المحبة الطبيعية التي يقتضيها الطّبع، أو المحبة الناتجة عن المشاركة في أمر كمحبة الصاحب لصاحبه، وما أشبه ذلك، فهاذه المحاب خارجة؛ لأنّها لا تكون عبادية؛ يعني: لا يتوجه فيها الحب تعبدًا، ومنها ما يكون الإنسان مأمورًا به فتكون عبادة في ذاتها كمحبة الخير، محبة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، محبة الصالحين، هاذه مأمور بها، فلا تدخل فيما نحن فيه، بل هي تابعة منضوية في محبة الله عز وجل.
ثم قال رحمه الله: (وقوله) يصلح أن نقول: وقولِه على العطف، ويصلح أن نقول: وقولُه على الاستئناف: ( {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} إلى قوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} [2] .)
(1) سورة: البقرة، الآية (165) .
(2) سورة: التوبة، الآية (24) .