الصفحة 557 من 952

ثم قال: {وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فأمر -جل وعلا- بخوفه وحده دون غيره، وجعل خوفه من دلائل الإيمان، وعلامات الإيمان؛ لقوله تعالى: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} والتقدير: إن كنتم مؤمنين فافعلوا، أي فافعلوا خوفي، ولا تخافوا غيري، فالواجب على أهل الإيمان أن يخافوا الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وأن لا يخافوا أعداء الله مهما بلغت قوتهم وقدرتهم؛ لأنَّ هاذه القوة وهاذه القدرة لا تخرج عن قدرة الله وقوته وإحاطته، فالله على كل شيء قدير، وهو بكل شيء محيط، المؤمن إذا قرَّ في قلبه واعتقد هاذا فإنَّه لن يخاف أحدًا مهما كان في القوة والبطش؛ لأنَّه يعلم أنَّ هاذا ناصيته بيد الله جل وعلا، لا يمكن أن يوصل إليك شرًّا، أو يوصل إليك خيرًا إلا بتقدير الله جل وعلا، فإذا كان كذلك فالواجب أن يُخاف من الله سبحانه وتعالى، وأن لا يخاف من غيره؛ لأنَّ غيره مهما بلغ فإنه لا يخرج عن تقدير الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وهاذا وجه النهي عن خوف غيره، والأمر بخوفه؛ لأنَّ من خاف الله أخاف الله منه كل أحد، وأما من قلَّ في قلبه خوف الله، خاف من كل أحد، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يسعى دائمًا في مراقبة قلبه، وإقامة خوف الله فيه، وخوف الله أن يمتثل أمر الله جل وعلا، وأن يترك ما نهى عنه، ولذلك حتى لو تسلَّط عليك متسلِّط بأذًى قولي أو حسي فاعلم أنَّه لا يدفع هاذا الأذى الحسي ولا القولي؛ أن تتقي هاذا بأسباب منك -أي بأسباب منك تتعلق بالشخص المؤذي لك- إنما ينبغي لك أن تحرص على أن تطهر قلبك من الذنوب والآثام، فإنّما سُلِّط عليك بسبب ذنوبك، فإذا تبت إلى الله -جل وعلا- دفع الله عنك: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [1] .

(1) سورة: الحج، الآية (38) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت