ثم قال رحمه الله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ} [1] . هاذه أيضًا جاء فيها حصر في قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ} فحصر الله -جل وعلا- عمارة المساجد التي هي محالّ العبادة، ومواضع الصلاة في {مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ} فما المراد بالعمارة هنا؟ العمارة هنا هي العمارة المعنوية لا العمارة الحسيَّة فحسب؛ فإن العمارة الحسية تكون ممن اتصف بهاذه الأوصاف، وتكون ممن لم يتصف بها، فالمساجد يعمرها حتى الكفار في بعض البلدان، فليست العمارة الحسية هي المقصودة بهاذه الآية، إنما المقصود العمارة المعنوية، وهي عمارة العبادة والطاعة: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [2] هؤلاء هم عمار المساجد الذين أثنى الله عليهم وحصر العمارة بهم في قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ} . أما العمارة الحسيَّة، بمعنى تشييد المساجد، فهاذا يكون ممن اتصف بهاذه الأوصاف، وممن اختل فيه بعضها، وممن لم يتصف بشيءٍ منها، كما ذكرنا فيما مثلنا.
الشاهد من هاذه الآية قول الله تعالى: {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ} . فجعل الله -سبحانه وتعالى-هاذه الصفة من صفات عمار المساجد الذين أثنى عليهم جل وعلا.
(1) سورة: التوبة، (18) .
(2) سورة: النور، (36 - 37) .