{وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ} أي لم يخف إلا الله جل وعلا، والخشية هل هي الخوف أو غيره؟ قال جماعة من العلماء: الخشية هي الخوف، والحقيقة أن الخشية والخوف والوجل ألفاظ لمعانٍ متقاربة، فإذا أُطلق أحدها في موضع شمل الآخر، وإذا اجتمعت استقل كل واحدٍ منها بمعنىً، فالخوف هو الخشية، والخشية هي الخوف، إلا أنَّ الخوف أعم من الخشية، فالخوف منه ما هو محمود، ومنه ما ليس بمحمود، أما الخشية فهي محمودة إذا كانت لله جل وعلا، فهي محمودة لأنها تحمل على فعل الطاعة، ولا تكون إلا من عالم.
أما الخوف، فإن من الخوف ما يكون قنوطًا، يسمَّى خوفًا لكنه قنوط، بخلاف الخشية فإنها لا تكون قنوطًا؛ لأنها لا تكون إلا من عالم، قال الله جل وعلا: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [1] فحصر الله -جل وعلا- الخشية في العلماء؛ لأن العلم يظهر الخشية في القلب، فالخشية هي أشد الخوف، هكذا قال بعض العلماء، وقال آخرون: الخشية هي الخوف عن علم، وهاذا القيد الثاني، أو الضابط الثاني، أو التعريف الثاني للخشية أجود؛ لأنه مطابق لقول الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} .
يقول رحمه الله: (وقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} .)
{وَمِنَ النَّاسِ} (من) هنا للتبعيض، و {النَّاسِ} عموم الناس، في وقت النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبعده.
(1) سورة: فاطر الآية (28) .