الصفحة 563 من 952

وفي المقابل أنعم النَّاس في هاذه الدنيا من أهل النار يؤتى به يوم القيامة فيغمس فيها -والعياذ بالله- غمسة، والغمسة كما ذكرنا إدخالٌ وإخراجٌ ليس فيه مكث، فيقال له: هل مرَّ عليك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا، يُنسيه ما لقيه من هولٍ وعذابٍ وألمٍ في هاذه المشقة كل نعيمٍ كان في السابق، فعذاب الآخرة أعظم، ولا مقارنة بينه وبين عذاب الدنيا، فالعاقل البصير يوازن بين ما يلقاه من المشاق بسبب التزامه بأمر الله وأمر رسوله، استقامته على قول الله وقول رسوله؛ بما يلقاه في الآخرة، إن هو ترك ذلك، ولا شك أن العاقل البصير سيوفَّق إلى احتمال ما يكون من الأذى في هاذه الدنيا، مع أنَّه لا يكون أذىً مستقرًّا، بل يكون معه من النعيم القلبي ما تزول به هاذه الآلام، وتتلاشى معه هاذه المنغِّصات والمكدِّرات، فينقلب العذاب الذي يلقاه في الدنيا حُلوًا كما جاء فيما نُقِل أنَّ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أصابه شيءٌ في قدمه فقال:

ما أنت إلا إصبعٌ دميتِ ... وفي سبيل الله ما لقيت

وكما قال: يُنسي الإنسان في هاذه الدنيا ما يلقاه من المشاق حلاوة ما يترتب على هاذه المشاق من الأجر، أنستني حلاوة أجرها مرارة صبرها، ثم كما قال ابن القيم رحمه الله: الإنسان في هاذه الدنيا لا بد له من ألم، لا بد له من ألم مهما كان على كمالٍ في العيشة، وكمالٍ في الظاهر، لا بد له من آلام، لا يخلو الإنسان من ألم، وهاذا معنى قول الله جل وعلا: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [1] . والإنسان جنس يشمل كل أحد، المؤمن والكافر، الغني والفقير، الشريف والوضيع، كل أحدٍ على هاذه الحال {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} . فالكبد مكتوب على كل بني آدم، لكنَّ النَّاس يختلفون في أنَّ:

منهم من يكون كبده وشقاؤه في هاذه الدنيا، ثم يزول إلى نعيمٍ -نسأل الله أن نكون من أهله- إلى نعيمٍ دائمٍ لا ينقطع.

(1) سورة: البلد الآية (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت