ثم قال: (( وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله ) )وهاذه كثيرة، (( وأن تذمهم ) )أي: تذم الخلق على ما لم يؤتك الله، سواءٌ من مال، أو من منصب، أو من رزق، أو من علم، أو من غير ذلك مما يؤتى الناس، ومما يُطلب منهم، فإذا مُنعت شيئًا فاعلم أن الذي منعك هو الله جل وعلا، وأن هؤلاء أسباب، ليس أكثر من ذلك، فالإنسان ليس بيديه ما يمنع، ولا ما يعطي، إنما الأمر لله جل وعلا، والإنسان إنما هو وسيلة لتحقيق أمر الله جل وعلا، (( لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع ) )، هاذا أمر نقوله، نحتاج إلى أن ننقله من القول إلى العقد، من القول إلى القلب؛ لأنه يكفي الإنسان كثيرًا من الهموم، ويزيل عنه كثيرًا من الضيق الذي يجده بسبب عدم تيسُّر شيء له، أو بسبب حرمانه شيئًا يظن أنَّ المانع له فلان، والمانع هو الله جل وعلا، والله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لا يقدر لعبده إلا الخير (( أن تذمهم على ما لم يؤتك الله ) ).
ثم قال: (( إن رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كراهية كاره ) )وهاذا كالتعليل لبيان كيف كانت تلك الأمور من ضعف اليقين، كانت من ضعف اليقين لأن صاحبها لم يعتقد أن رزق الله لا يجره حرص حريص، رزق الله في المال، رزق الله في الولد، رزق الله في العلم الشّرعي، رزق الله في كل شيء لا يجرّه حرص حريص أبدًا، لا يمكن أن يحصِّله الإنسان بحرصٍ وكدٍّ وجهدٍ، إنما يحصِّله بتقدير الله جل وعلا، هاذا لا يعني نفي الأسباب، فإنّ الله -جل وعلا- قد جعل لكل شيءٍ سببًا في الدنيا والآخرة، فالله -جل وعلا- قدَّر أشياء وقدَّر أسبابها، لكن الحديث يلفت النظر، وينبه إلى عدم النظر إلى الأسباب، والاشتغال بها عن المسبب، وعن الأصل الذي إليه ترجع الأمور، وإليه تصير سبحانه وبحمده.
(( رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كراهية كاره ) ). فلو كره الناس لك ما كرهوا وقدَّر الله -عز وجل- أن يأتيك فهو آتيك، لا يمنعه كراهيتهم.