الحال الأولى: أن تكون الثمرة المقصودة - يعني التي يقصدها العامل- مطلوبةً في الشرع، ومقصودةً له، ففي هاذه الحال يجوز قَصْد هاذه الثمرة تبعًا أو استقلالًا. تبعًا يعني: يقصد الله جل وعلا، ويقصد هاذه الثمرة، واستقلالًا: يقصد الثمرة ابتداءً، ومن أمثلة هاذه الحال: ما أخرجه الشيخان عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) ). هاذا مثال للحال الأولى.
يقول: فالصيام بقصد العبادة، وقصد تحصيل العفاف، والنجاة من اشتداد الشهوة مشروعٌ لا حرج فيه.
إذًا: الآن قصد العبادة وقصد تحصيل دفع الشهوة، واضح؟
هاذا مقصد شرعي، تخفيف الشهوة لئلا يقع في المحرم مقصد شرعي، أليس كذلك؟ ولذلك قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) ). هاذا صام ابتغاء مرضاة الله، ومع ذلك قصد تخفيف شهوته، فهاذا قصد ما جعله الشارع ثمرة للعمل إلا أنه مقصودٌ للشارع، يقول: فهاذا جائز، لا حرج فيه، بل لو لم يقصد إلا الأخير فقط، يعني: ما قصد من الصيام إلا حفظ الشهوة، وتخفيف وطأتها عليه، فإنه في عملٍ صالٍح، يقول: فأجره ثابت؛ لأنه في تحصيل ثمرةٍ هي مقصودةٌ للشارع، قال الله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا} [1] . فطلب العفاف مقصودٌ للشارع، ولذلك أمر به -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، قال القرافي في كتابه الفروق: فأمر رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالصوم لهاذا الغرض، يقول: ولو كان قادحًا -يعني في التوحيد والنية- لم يأمر به -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في العبادة، فدلَّ ذلك على صحة قصد هاذا من الصيام، هاذه الحال الأولى من القسم الثاني.
(1) سورة: النور، الآية (33) .