لله المثل الأعلى، أي: لله الصفة العليا التي لا شيء فوقها، لا منتهى للحسن بعدها، بل هي منتهى الحسن والكمال والعلو، ووجه ذلك أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: (( فإن الله هو السلام ) ). أي: السالم من كل نقص وعيب في أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله وفي جميع شأنه جل وعلا، فهاذا الباب مُكَمِّل للباب السابق، فالباب السابق في الصفات وهاذا في الأسماء، ومن كان كاملًا في صفاته كان مستحقًّا للعبادة وحده دون غيره؛ لأنه لا يُطلب في العبادة إلا الكامل، وأما من كان فيه نقص فإنه لا يَفِي، لا يفي العابدَ حقه وحاجته وطِلْبَتَه، ولذلك تجد أن المشركين لا يقتصرون على إلاه واحد، بل يعبدون آلهة شتى؛ لأنه ما من إلاه يَفِي ما يحتاجون إليه، ويعطيهم كل ما يطلبون، ولذلك لما دعاهم رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى عبادة الله وحده قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هاذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [1] عجيب، كيف يكون الإله واحدًا؟
الجواب: أنه واحد كما قال الله -عز وجل-: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (01) اللَّهُ الصَّمَدُ (02) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (03) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (04) } [2] . لأنه الغني جل وعلا، الكامل في أسمائه وصفاته، فلا حاجة للعباد في غيره، ولا يقضي حوائجَهم إلا هو، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، فإذا كان كذلك فلم يلتفتون إلى غيره؟ ولم ينصرفون إلى غيره؟ وهو -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الذي له الأسماء الحسنى، وهو السلام، وله المثل الأعلى جل وعلا. هاذه مناسبة الباب لكتاب التوحيد، وللباب الذي قبله.
قال رحمه الله: بابٌ لا يقال السلام على الله.
لأن الله هو السلام جل وعلا، فالسلام منه يُطلب لا له يسأل، فهو السالم -جل وعلا- من كل نقص وعيب، وهو المُسَلِّم لغيره. فالسلام يتضمن معنيين:
(1) سورة: ص، الآية (5) .
(2) سورة: الإخلاص، الآيات (1 - 4) .