فهرس الكتاب
و مع عظم هذه المعجزة، فإنّ أهل مكّة المعاندين لم يصدّقوا و لم يذعنوا، بل استمرّوا على كفرهم و إعراضهم، و قالوا سحرنا محمّد، فقال بعضهم: لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر النّاس كلّهم، فسألوا من قدم عليهم من المسافرين فأخبروهم بنظير ما شاهدوه فعلموا صحّة ذلك و تيقّنوه.
تكثيره الماء و نبعه من بين أصابعه الشّريفة صلّى اللّه عليه و سلّم:
قال القرطبيّ رحمه اللّه: قصّة نبع الماء من بين أصابعه صلّى اللّه عليه و سلّم، تكرّرت منه في عدّة مواطن في مشاهد عظيمة، و وردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعيّ المستفاد من التّواتر المعنويّ و لم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبيّنا صلّى اللّه عليه و سلّم، حيث نبع الماء من بين عظمه و عصبه و لحمه و دمه» «4» .
و من هذه المواطن الّتي حدث بها تكثير الماء و نبعه من بين أصابع نبيّنا صلّى اللّه عليه و سلّم:
-ما رواه البخاري و مسلم عن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه عنهما-، قال: «عطش النّاس يوم الحديبية و النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بين يديه ركوة «5» ، فتوضّأ فجهش «6» النّاس نحوه فقال: «ما لكم؟» قالوا: ليس عندنا ماء نتوضّأ، و لا
(1) رواه البخاري. انظر الفتح 7 (3868) . و رواه مسلم برقم (2802) .
(2) انظر فتح الباري (7/ 224) .
(3) سورة القمر: آية رقم (1- 5) .
(4) انظر فتح الباري (6/ 676، 677) .
(5) ركوة: قال ابن الأثير: الركوة إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء و الجمع ركاء. انظر النهاية (2/ 261) .
(6) فجهش: قال ابن الأثير: الجهش أن يفزع الإنسان إلى الإنسان، و هو مع ذلك يريد أن يبكي كالصبي يفزع إلى أمه. انظر جامع الأصول (11/ 347) .
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (ص) ،ج 1،ص:529
نشرب إلّا ما بين يديك فوضع يده في الرّكوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون. فشربنا و توضّأنا. قلت: