الصفحة 118 من 2042

فإن من سمة محبته و خوفه و رجائه قطع النظر عن محبة غيره و خوفه و رجائه، فيستغنى بمحبته عن حب ما سواه و بذكره عن ذكر ما سواه و بالشوق إليه و إلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه، فالطمأنينة إلى اللّه سبحانه حقيقة ترد منه سبحانه على قلب عبده تجمعه عليه، و ترد قلبه الشارد إليه حتى كأنه جالس بين يديه يسمع به و يبصر به و يتحرّك به و يبطش به، فتسري تلك الطمأنينة في نفسه و قلبه و مفاصله و قواه الظاهرة و الباطنة تجذب روحه إلى اللّه، و يلين جلده و قلبه و مفاصله إلى خدمته و التقرّب إليه، و لا يمكن حصول الطمأنينة الحقيقية إلّا باللّه و بذكره و هو كلامه الذي أنزله على رسوله كما قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ فإن طمأنينة القلب سكونه و استقراره بزوال القلق و الانزعاج و الاضطراب عنه، و هذا لا يتأتّى بشي ء سوى اللّه تعالى و ذكره البتة، و أما ما عداه فالطمأنينة إليه غرور و الثقة به عجز قضى اللّه سبحانه و تعالى قضاء لا مرد له أن من اطمأن إلى شي ء سواه أتاه القلق و الانزعاج و الاضطراب من جهته كائنا من كان، بل لو اطمأن العبد إلى علمه و حاله و عمله سلب ذلك كله، و قد جعل سبحانه أغراض نفوس المطمئنين إلى سواه محبطة بسهام البلاء ليعلم عباده و أولياؤه أن المتعلق بغيره مقطوع و المطمئن إلى سواه عن مصالحه و مقاصده مصدود و ممنوع «3» . ثم تحدث- رحمه اللّه تعالى- عن هذه الصفات المختلفة للنفس و هي:

(1) بتصرف و اختصار عن: التعريفات للجرجاني ص 204، و التوقيف للمناوي ص 328، و الصحة النفسية في ضوء علم النفس و الإسلام لمحمد عودة و كمال مرسي ص 18.

(2) الفجر/ 27- 30.

(3) الروح لابن القيم، دار القلم، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1403 ه- 1983 م، ص 198- 210 (بتصرف يسير) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت