الصفحة 1189 من 2042

و قوله: «من رآه بديهة هابه، و من خالطه معرفة أحبّه» و صفه بصفتين خصّ اللّه بهما أهل الصّدق و الإخلاص: و هما الإجلال و المحبّة، و كان قد ألقى عليه هيبة منه و محبّة، فكان كلّ من يراه يهابه و يجلّه، و يملأ قلبه تعظيما و إجلالا، و إن كان عدوّا له، فإذا خالطه و عاشره، كان أحبّ إليه من كلّ مخلوق، فهو المجلّ المعظّم المحبوب المكرّم، و هذا كمال المحبّة أن تقرن بالتّعظيم و الهيبة، فالمحبّة بلا تعظيم و لا هيبة ناقصة، و الهيبة و التّعظيم من غير محبّة ناقصة كما تكون للغادر الظّالم نقصا أيضا، و الكمال: أن تجتمع المحبّة و الودّ، و التّعظيم و الإجلال، و هذا لا يوجد إلّا إذا كان في المحبوب صفات الكمال الّتي يستحقّ أن يعظّم لأجلها، و يحبّ لأجلها.

و لمّا كان اللّه سبحانه و تعالى أحقّ بهذا من كلّ أحد، كان المستحقّ لأن يعظّم و يكبر و يهاب و يحبّ، و يودّ بكلّ جزء من أجزاء القلب، و لا يجعل له شريك في ذلك. و كلّ محبّة و تعظيم للبشر، فإنّما تجوز تبعا لمحبّة اللّه و تعظيمه، كمحبّة رسوله و تعظيمه، فإنّها من تمام مرسله و تعظيمه، فإنّ أمّته يحبّونه لحبّ اللّه له، و يعظّمونه و يجلّونه لإجلال اللّه له. فهي محبّة للّه من موجبات محبّة اللّه و كذلك محبّة أهل العلم و الإيمان، و محبّة الصّحابة- رضي اللّه عنهم- و إجلالهم تابع لمحبّة اللّه و رسوله لهم.

و المقصود أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم ألقى اللّه سبحانه و تعالى عليه منه المهابة و المحبّة، و لكلّ مؤمن مخلص حظّ من ذلك. قال الحسن البصريّ- رحمه اللّه-: إنّ المؤمن رزق حلاوة و مهابة، يعني يحبّ و يهاب و يجلّ بما ألبسه اللّه سبحانه من ثوب الإيمان المقتضي لذلك، و لهذا لم يكن بشر أحبّ إلى بشر و لا أهيب و أجلّ في صدره من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في صدر الصّحابة رضي اللّه عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت