فهرس الكتاب
أما الحالة الثانية فيصورها القرآن أروع تصوير عندما حذّرنا من المنافقين الذين يظهرون المودة بالكلام المعسول و الحديث المنمق إذا كانوا معك، فإذا تولوا عنك سعوا في الأرض فسادا و تخريبا، يقول اللّه تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ* وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ «5» .
و قد أوضح القرآن الكريم أن اللّه عزّ و جلّ قادر على أن ينصر أولياءه على أعدائه من دون مجاهدة و لكن لم يفعل حتى يتحقق هذا الاختبار و ذلك الابتلاء، فيظهر به عدوان الظالمين و طغيانهم، و صبر الصابرين و تحملهم لمشاق مجاهدتهم، قال تعالى: وَ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ «6» ، و لم يفلت من هذا الابتلاء حتى أنبياء اللّه- صلوات اللّه عليهم أجمعين- و قد سجّلت هذا الآية الكريمة وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ «7» .
و قد أجملت كل هذه الأنواع من الابتلاء و ذلك الافتتان و كشفت عن حكمته المتمثلة في الصبر على كل أنواع الأذى التي تلحق بعض الناس، الآية الكريمة: وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَ كانَ رَبُّكَ بَصِيرًا «8» .
4-الابتلاء الجماعي أو الأممي:
و يتمثل ذلك فيما يصيب الأمة أو الجماعة بأسرها من رغد العيش أو ضيقه، من اعتدال المناخ أو قسوته،
(1) ص/ 23- 25.
(2) المائدة/ 42.
(3) المائدة/ 48.
(4) الأنعام/ 165.
(5) البقرة/ 204- 205.
(6) محمد/ 4.