الصفحة 200 من 2042

كما أن للابتلاء أثره الفعال في مقاومة آفات الجسد و التغلب عليها، فإن له أيضا دوره الفعال في معرفة أمراض النفوس و كيفية معالجتها، و هذه هي حال المؤمن يكون فطنا حاذقا أعرف الناس بالشر و أبعدهم منه، فإذا تكلم في الشر و أسبابه ظننته من شر الناس، فإذا خالطته رأيته من أبر الناس، و المقصود أن من بلي بالآفات صار من أعرف الناس بطرقها، و أمكنه أن يسدها على نفسه و على الآخرين «4» .

إنه يوجد إلى جانب الاستعدادات الفطرية لدى الإنسان قوة واعية مدركة موجهة تناط بها التبعة، فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه و تطهيرها و تنمية استعداد الخير فيها، و تغليبه على استعداد الشر فقد أفلح و من أظلم هذه القوة و خبأها و أضعفها فقد خاب، قال تعالى: وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها «5» . إن النية الطيبة لابد أن تقترن بالتربية و الصقل، و بالإعداد اللازم لتتوفر لدى الإنسان

(1) الفوائد لابن القيم 21/ 295 (بتصرف) .

(2) انظر صفة المروءة، و علو الهمة.

(3) الفوائد لابن القيم 1/ 295، و معنى ينضي بعيره: أي يكده و يتعبه و يرغمه على ما يريد.

(4) الفوائد لابن القيم 1/ 295- 296.

(5) الشمس/ 7- 10.

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (ص) ،ج 1،ص:28

الإمكانات التي تؤهله لنقل ما ينويه إلى حيز التطبيق «1» و هنا تنبثق جملة حقائق ذات قيمة في التوجيه التربوي.

فهي أولا: ترتفع بقيمة الإنسان، حين تجعله أهلا لاحتمال تبعة اتجاهه، و تمنحه حرية الاختيار (في إطار المشيئة الإلهية التي شاءت له هذه الحرية فيما يختار) فالحرية و التبعة يضعان هذا الكائن في مكان كريم، و يقرران له في هذا الوجود منزلة عالية تليق بالخليقة التي نفخ اللّه فيها من روحه و سواها بيده، و فضلها على كثير من العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت