فهرس الكتاب
و هي ثانيا: تلقي على هذا الكائن تبعة مصيره، و تجعل أمره بين يديه (في إطار المشيئة الكبرى كما أسلفنا) فتثير في حسه كل مشاعر اليقظة و التحرج و التقوى. و هو يعلم أن قدر اللّه فيه يتحقق من خلال تصرفه هو بنفسه:
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ «2» . و هي تبعة ثقيلة لا يغفل صاحبها و لا يغفو!
و هي ثالثا: تشعر هذا الإنسان بالحاجة الدائمة للرجوع إلى الموازين الإلهية الثابتة، ليظل على يقين أن هواه لم يخدعه، و لم يضلله، كي لا يقوده الهوى إلى المهلكة، و لا يحق عليه قدر اللّه فيمن يجعل إلهه هواه، و بذلك يظل قريبا من اللّه، يهتدي بهديه، و يستضي ء بالنور الذي أمده به في متاهات الطريق! و من ثم فلا نهاية لما يملك هذا الإنسان أن يصل إليه من تزكية النفوس و تطهيرها و يتطهر في هذا العباب الذي يتدفق حوله من ينابيع الوجود «3» .
5-تدريب القوى العقلية و تنشيطها للقيام بمهامها على الوجه الأكمل:
و يتمثل ذلك فيما يلي:-
أ- اليقظة:
إن صدمة الابتلاء- خاصة بالضراء- هي بمثابة صيحة النذير لقوم نيام تنبههم من سبات نوم الغفلة، و سكرة أحلام اليقظة، يقول اللّه تعالى واصفا أولئك الذين غرقوا في مجر الغفلة لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ «4» ، و هذه اليقظة «5» هي- كما يقول ابن القيم- أول منازل العبودية، و تعنى انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، و للّه ما أنفع هذه الروعة و ما أعظم قدرها، و ما أقوى إعانتها على السلوك، و من اليقظة ينتقل الإنسان إلى منزلة العزم (و هو العقد الجازم على الشي ء) ، و بحسب كمال انتباهه و يقظته تكون عزيمته، و بحسب قوة عزمه يكون استعداده «6» ، و بحسب استعداده يكون تذكره.
ب- التفكر و التأمل و الاعتبار: