فهرس الكتاب
إذا ابتلى الإنسان و استيقظ بدأ مرحلة التفكر و التأمل و إعمال الخاطر في تجربة الابتلاء، و رددها قلبه معتبرا، يقول ابن القيم- رحمه اللّه-: «أصل الخير و الشر من قبل التفكر، لأن الفكر مبدأ الإرادة و الطلب و أنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد (ما يتعلق بالآخرة) و في طرق اجتلابها، و في دفع مفاسد المعاد، و في طرق اجتنابها، فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار، و يليها أربعة: فكر في مصالح الدنيا، و طرق تحصيلها، و فكر في مفاسد الدنيا،
(1) أسعد السحمراني، الأخلاق و الفلسفة القديمة، ص 26.
(2) الرعد/ 11.
(3) في ظلال القرآن (6/ 3918) .
(4) الحجر/ 72.
(5) انظر صفة اليقظة.
(6) مدارج السالكين 1/ 138- 139 (بتصرف) .
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (ص) ،ج 1،ص:29
و طرق الاحتراز منها.
إن أعظم الفكر فكر يوصل إلى معرفة اللّه عز و جل و يؤدي إلى ذكره و شكره، و لا يكون ذلك إلا بالتأمل في ملكوت السموات و الأرض و عجائب صنع اللّه سبحانه، و قد كان صلّى اللّه عليه و سلّم مضرب المثل في هذا النوع من التفكر، مصداق ذلك ما روي عن عطاء قال: دخلت أنا و عبيد بن عمير على عائشة فقالت لعبيد بن عمير: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول يا أمه كما قال الأول: زر غبا تزدد حبا. قال فقالت: دعونا من رطانتكم هذه. قال ابن عمير:
أخبرينا بأعجب شي ء رأيته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: فسكتت ثم قالت: لما كانت ليلة من الليالي قال: «يا عائشة، ذريني أتعبد الليلة لربي» قلت و اللّه إني لأحب قربك و أحب ما سرك. قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي. قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي. قال: يا رسول اللّه لم تبكي و قد غفر اللّه لك ما تقدم و ما تأخر؟