فهرس الكتاب
أما بعد ... فإن ربنا جل و علا لما أوجد هذا الكون بما فيه من عجائب المخلوقات كان من بين من خلقه نوع الإنسان الذي ميزه بالعقل و الإدراك و فضله على كثير من خلقه كما قال تعالى وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا «1» و كان من آثار هذا التكريم و التفضيل أن خصهم بالتكليف فأمرهم بعبادته و طاعته و نهاهم عن معصيته و مخالفته، و أرسل إليهم الرسل و أنزل الكتب لبيان شرائعه التي كلف بها عباده و شرح لهم دينه الذي فرض عليهم اعتناقه، و ختم أولئك الرسل بنبينا محمد بن عبد اللّه الهاشمي النبي الأمي صلّى اللّه عليه و سلّم و جعل شريعته خاتمة الشرائع، و كان من لوازم ختم النبوة به أن عمم رسالته إلى الأحمر و الأسود و العربي و العجمي و الجن و الإنس و القاصي و الداني و من آثار ذلك أن جعل دينه صالحا و مناسبا في كل زمان و مكان، و قد ضمن اللّه تعالى لهذه الشريعة الظهور، و لأهلها التمكين و النصر و الغلبة بجميع أنواعها قال اللّه تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم ْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا
«2» و لقد صدق اللّه وعده- و هو لا يخلف الميعاد- فأظهر المؤمنين الصادقين في صدر هذه الأمة و نصرهم على أعدائهم، و مكن لهم في البلاد حتى انتشر هذا الدين و ظهر و غلب على سائر الأديان، و نصر اللّه أهله و قواهم به قال تعالى وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ «3» و قال تعالى إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ