ويحكى الله ذلك فيقول:"... وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون"آل عمران 44
وفي غرفة صغيرة في أعلى البيت المقدّس عاشت مريم عليها السلام.
لا يدخل إليها أحدٌ سوى زكريا .
كانت مريم تمضي وقتها في المحراب تصلّي لله بخشوع و في كل يوم كانت الحقائق تسطع في روحها ، و الملائكة تطوف حولها تبشرها بأن الله قد اصطفاها و طهرها على نساء العالمين .
وبلغت مريم من العبادة والطهر والنقاء ما بلغت وارتقت وارتقت حتى إن زكريا عليه السلام أصبح يرى أمورًا عجيبة لم يألفها فقد كان يحمل إليها طعامها وشرابها ، فيجد عندها طعاما وشرابا كثيرا لم يقدمه لها ، وفاكهة الصيف وهم في الشتاء وفاكهة الشتاء وهم في الصيف ! وألوانًا من الطعام والشراب والفاكهة ليست موجودة في فلسطين كلها .
فتعجب زكريا و قال: من أين لك هذا ؟!
قالت مريم: هو من عند الله ، إن الله يرزق بغير حساب .
امتلأت نفس زكريا بالإيمان ، وتذكر مشكلته الأساسية وأن حتى الآن لم يرزق بذرية ، فدعا ربّه بخشوع عظيم قائلا:
ـ ربّ هب لي من لدنك ذرّية طيبة .
فجأة غمر نور سماوي المحراب ، و سمع زكريا ملاكًا يناديه:
ـ إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ، لم نجعل له من قبل سميا .
و تحققت أمنية زكريا ، كان يتمنى ولدًا مثل مريم في الطهارة والصدق والإيمان . و لكنه قال:
كيف يكون لي ولد وامرأتي عقيم ، وقد بلغتُ من الكبر عتيًا .
قال الملاك: كذلك قال ربّ هو علي هيّن .
قال زكريا: و كيف أعرف أن الله قد رزقني يحيى ؟
قال الملاك: إن علامة ذلك أن تفقد قدرتك على الكلام ثلاثة أيام لا تستطيع التخاطب مع الآخرين إلا بالإشارة والرموز والإيحاء .
وفعلا شعر زكريا بأن لسانه تقيل ، لا يستطيع القدرة على الكلام أبدًا .
و خرج زكريا على قومه من المحراب وظل يشير إلى قومه بيده آمرًا إياهم أن يسبحوا الله ويسجدوا له ليل نهار .