فهرس الكتاب
فِي الدَّعْوَةِ: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن: 19] وَقَالَ فِي التَّحَدِّي: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] فَالدِّينُ كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي الْعِبَادَةِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ وَسَأَلَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ قَالَ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْت إلَيْهِ سَبِيلًا قَالَ: فَمَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ: فَمَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك» ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» فَجَعَلَ هَذَا كُلَّهُ مِنْ الدِّينِ.
"وَالدِّينُ"يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ.
يُقَالُ: دِنْته فَدَانَ، أَيْ: ذَلَلْتُهُ فَذَلَّ، وَيُقَالُ يَدِينُ اللَّهَ؛ وَيَدِينُ لِلَّهِ أَيْ: يَعْبُدُ اللَّهَ وَيُطِيعُهُ وَيَخْضَعُ لَهُ، فَدِينُ اللَّهِ عِبَادَتُهُ وَطَاعَتُهُ وَالْخُضُوعُ لَهُ.
"وَالْعِبَادَةُ"أَصْلُ مَعْنَاهَا الذُّلُّ، أَيْضًا، يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ إذَا كَانَ مُذَلَّلًا، قَدْ وَطِئَتْهُ الْأَقْدَامُ.
لَكِنَّ الْعِبَادَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الذُّلَّ وَمَعْنَى الْحُبِّ، فَهِيَ تَتَضَمَّنُ غَايَةَ الذُّلِّ لِلَّهِ بِغَايَةِ الْمَحَبَّةِ لَهُ، فَإِنَّ آخِرَ مَرَاتِبِ الْحُبِّ هُوَ التَّتَيُّمُ، وَأَوَّلُهُ"الْعَلَاقَةُ"لِتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْمَحْبُوبِ، ثُمَّ"الصَّبَابَةُ"لِانْصِبَابِ الْقَلْبِ إلَيْهِ، ثُمَّ"الْغَرَامُ"وَهُوَ الْحُبُّ اللَّازِمُ لِلْقَلْبِ ثُمَّ"الْعِشْقُ"وَآخِرُهَا التَّتَيُّمُ"يُقَالُ: تَيْمُ اللَّهَ أَيْ: عَبْدُ اللَّهَ."
فَالْمُتَيَّمُ الْمُعَبَّدُ لِمَحْبُوبِهِ.