الشرح
وأما الفرقة الثانية من القائلين بأن الكلام متعلق بمشيئته تعالى وقدرته فانقسموا إلى طائفتين. الطائفة الأولى الكرامية أتباع محمد بن كرام، وهؤلاء ذهبوا إلى أن الله تعالى يتكلم بمشيئته بالقرآن العربي وغيره، إلا أنهم لا يقولون لم يزل متكلمًا إذا شاء لأنه يمتنع عندهم أن يكون الله متكلمًا في الأزل فيجعلون كلامه حادثًا في ذاته، مسبوقًا باليوم. بمعنى أن الله لم يكن عندهم متكلمًا، ثم صار متكلمًا، فنوع الكلام عندهم له ابتداء في ذاته [1] ، وإنما ألجأهم إلى ذلك الخوف من القول بحوادث لا أول لها، فإن هذا يلزمه التسلسل في الموجودات والقول بقدم الأنواع فينسد عليهم طريق إثبات الصانع في زعمهم إذ كان الطريق إلى ذلك هو حدوث الأشياء المستلزم لوجود محدث لها فلهذا اضطر الكرامية إلى أن يجعلوا لما يحدث في ذاته تعالى من الكلام او الفعل ابتداء، لكنه مع ذلك إذ حدث فليس قابلًا عندهم للزوال والفناء، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة الفرقان (ومحمد بن كرام فكان بعد ابن كلاب في عصر مسلم بن الحجاج أثبت أنه يوصف بالصفات الاختيارية، ويتكلم بمشيئته وقدرته. ولكن عنده يمتنع أنه كان في الأزل متكلمًا بمشيئته وقدرته لامتناع حوادث لا أول لها، فلم يقل بقول السلف لم يزل متكلمًا إذا شاء، وقال هو وأصحابه في المشهور أن الحوادث التي تقوم به لا يخلو عنها، ولا تزول عنه)
(1) أي النوع عندهم حادث وليس قيمًا كما يقول السلف فالله لم يكن يتكلم ثم صار يتكلم فعطلوا الله عن كلامه في أول الأمر وأثبتوه له في ثاني الحال.