وهذا السؤال أجاب عليه بعض أصحاب دليل الأعراض وحدوث الأجسام - وهم نفاة قيام الأفعال الاختيارية بذاته جل وعلا - بقولهم الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول.
ومما لا شك فيه أن قائلي هذه المقالة إنما قالوها هربًا من القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى - بزعمهم.
ومعنى قولهم: الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول: أن صفة الخلق، أو الفعل لم تقم بالله تعالى، ولا يمكن أن تقوم به؛ استنادًا إلى أصلهم: ما قامت به الحوادث فهو حادث، فأثبتوا خالقًا لا خلق له وهذا ممتنع في بديهة العقول.
وهم يقولون: الموجب للتخصيص بحدوث ما حدث دون غيره: هو إرادة قديمة أزلية هي المخصص لما حدث.
وإنما قالوا أزلية؛ لأنه لم يقم بالله شيء يكون مرادًا، ولا يقوم به وهذه الإرادة القديمة أزلية لم تزل - عندهم - على نعت واحد، ثم وجدت الحوادث بلا سبب أصلًا.
ويقولون عن هذه الإرادة: من شأنها أن تتقدم على المراد تقدمًا لا أول له.
"فوصفوا الإرادة بثلاث صفات باطلة، يعلم بصريح العقل أن الإرادة لا تكون هكذا وهي المقتضية للخلق والحدوث، فإذا أثبتت: فلا خلق ولا حدوث"
ومن هنا قلنا آنفًا: إن هؤلاء - في الحقيقة - لم يثبتوا خالقًا.
لأن حقيقة قولهم: أن الرب تعالى لم يكن قادرًا، ولا كان الكلام والفعل ممكنًا له، ولم يزل كذلك دائمًا مدة، ثم أنه تكلم وفعل من غير سبب اقتضى ذلك، ومن غير أن يقوم بذاته فعل، بل فعله هو مفعوله.