يجوز أن يكون مرادًا مقدورًا، وأن ما كان مرادًا مقدورًا لا يكون إلا حادثًا شيئًا بعد شيء، وإن كان نوعه لم يزل موجودًا، أو كان نوعه كله حادثًا بعد أن لم يكن.
ولهذا كان الذين اعتقدوا أن القرآن قديم لازم لذات الله متفقين على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنما يكون بمشيئته وقدرته خلق إدراك في العبد لذلك المعنى القديم. والذين قالوا: كلامه قديم، وأرادوا أنه قديم العين، متفقون على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته، سواء قالوا: هو معنى واحد قائم بالذات، أو قالوا: هو حروف، أو حروف وأصوات قديمة أزلية الأعيان.
بخلاف أئمة السلف الذين قالوا: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنه لم يزل متكلمًا إذا شاء وكيف شاء. فإن هؤلاء يقولون: الكلام قديم النوع، وإن كلمات الله لا نهاية لها، بل لم يزل متكلمًا بمشيئته وقدرته، ولم يزل يتكلم كيف شاء إذا شاء، ونحو ذلك من العبارات. والذين قالوا: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه حادث بالغير قائم بذاته، أو مخلوق منفصل عنه، يمتنع عندهم أن يكون قديمًا.
فقد اتفقت الطوائف كلها على أن المعين القديم الأزلي لا يكون مقدورًا مرادًا، بخلاف ما كان نوعه لم يزل موجودًا شيئًا بعد شيء، فهذا مما يقول أئمة السلف وأهل السنة والحديث إنه يكون بمشيئته وقدرته، كما يقول ذلك جماهير الفلاسفة الأساطين الذين يقولون بحدوث الأفلاك وغيرها، وأرسطو وأصحابه الذين يقولون بقدمها.
فأئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة يقولون: إن الأفلاك محدثة كائنة بعد أن لم تكن،