ونسى دفتره الممزق، ومستقبله الضائع، وحياته المرة، وطفق يصغي إلى نداء الماضي في أذنيه .. إلى صوت أمه ...
-قومي يا حبيبتي، ألا تسمعين صوت أمك؟ تعالي نروح عند ماما!
فأجفلت البنت وارتاعت؛ لأنها لم تكن تعرف لها أمًا إلا هذه المرأة المجرمة ... وخافت منها، وأبت أن تذهب إليها. لقد كان من جناية هذه المرأة أنها شوهت في نفس الطفلة أجمل صورة عرفها الإنسان صورة الأم!
-تعالي نروح عند ماما الحلوة: أمك ... إنها هناك في محل جميل: في الجنة ... ألا تسمعين صوتها؟
وحملها بين يديه، وفتح الباب، ومضى بها ... يحدوه هذا الصوت الذي يرن في أذنيه حلوًا عذبًا، إلى المكان الذي فيه أمه!
وقرأ الناس في الجرائد ضحى الغد أن العسس وجدوا في المقبرة طفلة هزيلة في السادسة من عمرها، وولدًا في الرابعة عشرة، قد حملا إلى المستشفى؛ لأن البنت مشرفة على الموت، قد نال منها الجوع والبرد والفزع، ولا يمكن أن تنجو إلا بأعجوبة من أعاجيب القدر، أما الغلام فهو يهذي في حمَّته، يذكر الامتحان، والدفتر الأسود، وأمه التي تناديه، والمرأة التي تشبه الأفعى!