ولك يا بنت ما هذا العناد؟ كلي وإلا كسرت رأسك!
فتتقدم لتأكل فترى المرأة ... تنظر من وراء أبيها نظرة الوعيد، وترى وجهها قد انقلب حتى صار كوجه الضبع، فتخاف وترتد ...
فتقول المرأة لزوجها: ألم أقل لك، إنها عنيدة تحتاج إلى تربية؟
فيهز رأسه، ويكتفي من تربيتها بضربها على وجهها، وشد أذنها، وطردها من الغرفة، ويكون ذلك عشاها كل عشية! تذكر ماجد أخته فقام إليها فرفعها، وضمها إلى صدره.
مالك؟ لماذا تبكين؟ اسكتي يا حبيبتي.
قالت: جوعانة.
جوعانة؟ من أين يأتيها بالطعام؟ وقام يفتش ... فأسعده الحظ فوجد باب غرفة الطعام مفتوحًا، وعهده به يقفل دائمًا، ووجد على المائدة بقايا العشاء فحملها إليها، فأكلتها فرحة بها، مقبلة عليها، كأنها لم تكن من قبل الابنة المدللة، المحبوبة، التي لا يرد لها طلبًا، لو طلبت طلبًا، ولا يخيب لها رجاء، وآلمه أن يراها تفرح إذا أكلت بقايا أختها وأبيها، يسرقها لها سرقة من غرفة الطعام، وعادت صور الماضي، فتدفقت على نفسه، وطغت عليها ورجعت صورة أمه فتمثلت له، وسمعها تناديه ... لقد تجسم هذا الخيال الذي كان يراه دائمًا ماثلًا في نفسه حتى رده إلى الماضي وأنساه حاضره ... ولم يعد يرى في أخته البنت اليتيمة المظلومة، وإنما يراها الطفلة المحبوبة التي تجد أمًا تعطف عليها، وتحبها ...