فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 12

تعشى الزوجان وابنتهما، وأويا إلى مخدعهما، والغلام جاثم مكانه ينظر إلى قطع الدفتر الذي أفنى فيه لياليه، وعاف لأجله طعامه ومنامه، والذي وضع فيه نور عينيه، وربيع عمره، وبنى عليه أمله ومستقبله ... ثم قام يجمع قطعه كما تجمع الأم أشلاء ولدها الذي طوحت به قنبلة ... فإذا هو آلاف لا سبيل إلى جمعها، ولا تعود دفترًا يقرأ فيه إلا إذا عادت هذه الأشلاء بشرًا سويًا يتكلم ويمشي ... فأيقن أنه قد رسب في الامتحان، وقد أضاع سنته، وعظم عليه الأمر، ولم تعد أعصابه تحتمل هذا الظلم، وأحس كأن الدنيا تدور به وزاغ بصره، وجعلت أيامه تكر راجعة أمام عينيه كما يكر فيلم السينما ...

رأى ذلك الوجه الحبيب، وجه أمه، وابتسامتها التي كانت تنسيه آلام الدنيا، وصدرها الذي كان يفزع إليه من خطوب الدهر، رآها في صحتها وشبابها، ورأى البيت وما فيه من السلم والهدوء والحب، ورأى أباه أبًا حقيقًيا تفيض به روح الأبوة من عينيه الحانيتين، ويديه الممتلئتين أبدا بالطُّرف واللطف، ولسانه الرطب بكل جميل من القول محبب من الكلام ...

ويكر الفيلم، ويرى أمه مريضةً فلا يهتم بمرضها، ويحسبه مرضًا عارضا ... ثم يرى الدار والاضطراب ظاهر فيها، والحزن باد على وجوه أهلها، ويسمع البكاء والنحيب، ويجدهم يبتعدون به، ويخفون النبأ عنه، ولكنه يفهم أن أمه قد ماتت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت