قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: 18] ، وما أن سمعت إلى آخرها حتى أخذت حنين تردد في نفسها: سأتقيه من اليوم ولن أنساه أبدًا، وسأعمل لأكون من أهل الجنة الفائزين، وسأعمل جاهدة ليخشع قلبي لذكر الله دائمًا، فما قلبي الصغير أمام الجبل الكبير .. ؟؟
ودخلت الحرم المكي .. ونظرت للكعبة المشرفة عن قرب لأول مرة في حياتها، وكأنها ترى قلبها محلقًا حول الكعبة، فرحًا بلقائها، فاقتربت منها أكثر وأمسكت بأستار الكعبة وتعلقت وكأنها طفل صغير يعود إلى أحضان أمه بعد طول فراق، فابتلت عيناها بالدموع، وأخذت تعاهد الله على المضي قدمًا، على الدعوة إليه، والمجاهدة في سبيله .. وسألته الغوث والثبات، ثم قبلت الحجر وصلَّت ما أراد الله لها أن تصلي وابتهلت بالدعاء بأن يغفر الله لها ذنوبها، ويكتب لها الفوز والعافية ويدخلها جنته برحمته إنه أرحم الراحمين ..
وأجهشت بالبكاء ... فإذا بها تسمع امرأة بجانبها تقرأ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ... } [آل عمران: 135] فسُرَّت بما سمعت فكأنها تقول لها: لقد قبل الله توبتك، وهو فرح بعودتك، فارتمت ساجدة، شاكرة، بأن الله غافر الذنب وقابل التوب، غفور رحيم بعباده، وابتلت أرض الحجر بدموعها .. دموع التائب المنيب. دموع السعادة والرجاء، دموع الوداع لقلبها الصغير، الذي لم يعد يحتمل الانتظار فرفرف بأجنحته مودعًا إلى دار السعادة الأبدية. عند رب غفور كريم، فلم تقو هي على ذلك الوداع المر .. فتعلقت روحها ببصرها وحلقت معه إلى حيث سعادتها هناك.