الصفحة 38 من 88

يهجرون إلا إن كان هجرهم يحقق المصلحة الخالصة أو الراجحة, قال ابن عبدالبر ( ولا هجرة إلا لمن ترجوا تأديبه بها أو تخاف من شره في بدعة أو غيرها ) ا.هـ. قلت:- والأسباب والدواعي لهجر هذا المبتدع كثيرة فمنها:- أن يكون داعية لبدعته ذا لسان سليط على أهل السنة وذا جدال وخصال ومحاجة وملاججة يخشى على الجالس معه من الفتنة ببدعته فهذا يهجره من خشي الوقوع في حبائله, ومنها:- أن يكون في هجره زجر له عن بدعته رجاء أن يتوب ويعود عنها إلى حياض أهل السنة, فهذا يهجر حتى تتحقق المصلحة وتندفع المفسدة ومنها:- أن يكون في هجره زجرًا لغيره عن الوقوع فيما وقع فيه من البدعة, فهذا أيضًا يهجر بالقدر المحقق للمصلحة والدافع للمفسدة, فإن البدعة المفسقة لها مراتب, ويختلف الحال باختلاف صاحبها من كونه داعية أو مستترًا وغير ذلك ويختلف حال الهاجر من كونه عالمًا راسخًا لا يخاف عليه من المبتدع, أو كونه عاميًا جاهلًا يخاف عليه, وهكذا, والمهم أن تعلم أن المبتدع الكافر بعد دعوته إذا لم يرجع عنه فإنه يهجر الهجر المطلق وأما المبتدع الفاسق فإنه يهجر مطلق الهجر والله أعلم. قال أبو العباس ( فلهذا ونحوه رأى المسلمون أن يهجروا من ظهرت عليه علامات الزيغ من المظهرين للبدع الداعين إليها والمظاهرين للكبائر, فأما من كان مستترًا بمعصيته أو مسرًا لبدعة غير مكفرة فإن هذا لا يهجر وإنما يهجر الداعي إلى البدعة إذًا الهجر نوع من العقوبة وإنما يعاقب من أظهر المعصية قولًا أو عملًا ) ا.هـ. وقال أبو العباس أيضًا ( وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك - أي بالهجر - بل كان يزيد الشر والهاجر ضعيف, بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر, والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف, ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتألف قومًا ويهجر آخرين كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرًا من المؤلفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت