فهرس الكتاب
ما يقوم في القلب من المقاصد, فاحذر من أن تنطق ببنت شفة إلا بعد مراقبة ميزان الإخلاص فلا يكن همك في الكلام في أهل البدع إشباع حظوظ النفس والتشفي ونفث سم العداوة وإشباع رغبة التعصب وإسقاط الخصم وإذهاب محبته وهيبته من قلوب العامة لتحل أنت بدله, أو لغيرة مذمومة, أو لتحقيق مقاصد الولاة الظلمة في أخيك المسلم, فإن بعض من ينتسب للعلم قد يلوك أخاه بلسانه كما يلوك اللقمة سبًا وشتمًا وتجريحًا وثلبًا وإظهارًا للمعايب لا لشيء, إلا لإرضاء بعض الولاة في بلاده, فالمقصود عنده كيف يرضي هذا الوالي, وبعضهم تجده يتهم الآخرين بالتهم الفظيعة الباطلة ليؤكد للوالي أنه المواطن الصادق الذي يخاف على أمن البلد من عبث العابثين وكيد المخالفين, وهذا لا يسلم منه زمان, وهل ابتلي علماء أهل السنة عند الولاة إلا بسبب هذا الصنف, فابتلي الإمام أحمد السنة بأحمد البدعة والاعتزال, حتى قال فيه للوالي:- اقتلوه وعلي دمه, وابتلي ابن تيمية عند الولاة بسبب بعض علماء عصره كابن مخلوف وغيره من أفراخ المبتدعة, وابتلي ابن القيم بسبب هذا الصنف أيضًا, وهكذا على مر الزمان, ولا نزال في زماننا نعايش شيئًا من ذلك فنسمع بأن العالم الفلاني قد فصل أو حبس أو أوذي أو أوقف عن التدريس والخطابة ويكون سبب ذلك تقريرًا كتبه من زعم أنه ناصح للأمة ولم يراع في كتابته لا عدلًا ولا صدقًا ولا أمانة ولا أخوة دين, لأنه إنما أراد عند كتابته إسقاط الخصم والتشفي منه وإرضاء الولاة وإظهار نفسه عندهم, وكاتب هذه الأسطر قد عانى من ويلات ذلك ما يحتسب أجره عند الله تعالى, بل وإني أسأله جل وعلا باسمه الأعظم أن يغفر لكل من ظلمني وأن يجعل له فرجًا ومخرجًا من كل سوء وأن يعامله بعفوه وجوده وكرمه وإحسانه, وأن يتجاوز عنه التجاوز المطلق, وأن يجمعني به في الجنة نحن وإخواننا المسلمون ونشهد الله تعالى على أننا لن نعاملهم بالمثل, فإنهم إن نسوا حق الله عليهم فينا فإننا لن