فهرس الكتاب
وهذا لأن الهجر من"باب العقوبات الشرعية"فهو من جنس الجهاد في سبيل الله، وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله (1) ، والمؤمن عليه أن يعادي في الله، ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه؛ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانيّة، قال تعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة} (2) فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم.
فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه.
وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا (3)
(1) صدق والله شيخ الإسلام وقال الحق ، فهل ينظر إليه دعاة الفتن وموالاة أهل البدع بمنظار شيخ الإسلام ومنظار السلف أو أصبح سيفًا مسلولًا على أهل السنة ووسيلة للتشويه؟ وهل يدركون أنه يكون وسيلة لإعلاء كلمة الله؟ .
(2) الحجرات: 8-9 .
(3) رحم الله شيخ الإسلام فإن كلامه هذا قد استدل به بعض أهل الفتن على وجوب الموازنات بين الحسنات والسيئات ، وهذا أمر لم يقله ولم يفعله السلف الصالح ومنهم شيخ الإسلام نفسه في ردوده على أهل البدع .
بل يخالف ما يقرره هو - كما في مجموع الفتاوى ( 4/483 ) ، و مختصر الفتاوى المصرية ( ص: 210 ) - وقبله الإمام أحمد في يزيد بن معاوية وأمثاله: ( لا نسبه ولا نحبه ) .
ويخالف ما تقدم من إجماع السلف .
وواضح من كلام شيخ الإسلام الآتي أنه يقصد به الرد على الخوارج والمعتزلة الذين يرون أن ارتكاب الكبيرة والإصرار عليها يوجب خروج العبد من دائرة الإسلام وخلوده في النار ، أي: أن الكبيرة تسقط إيمان العبد وعمله الصالح، بل قد صرح بذلك في موضع آخر من الفتاوى (28/228-229 ) .فقال: ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أُعطي من الموالاة بحسب إيمانه ، ومن البغض بحسب فجوره ، ولا =يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي ، كما يقوله الخوارج والمعتزلة .""
ومنهج السلف في النقد وفي الجرح والتعديل بريء من إفراط الخوارج والمعتزلة، ومن تفريط أهل الموازنات الذي أدى بمن ينادي به إلى تمييع الإسلام عقيدةً ومنهجًا، وأدى بمن ينادي به إلى الوقوع في الإرجاء الغالي .