فهرس الكتاب
وأما بالنسبة للغة فإن أهميتها والتحري في نقلها وضبطها آتية من حيث كونها لغة القرآن ولغة السنة، ولا يتأتي حفظ القرآن وفهمه وضبط قراءاته إلا بالحفاظ على لغته. فقد بادروا -مبكرين- إلى نقل اللغة مشافهة من أفواه الأعراب في البوادي، وتدوينها قبل تدوين السنة والحديث، وقد اعتمدوا في نقلهم وتدوينهم الطريقة ذاتها التي اعتمدت في تدوين الحديث ونقله، ولا فرق، وطبقوا قواعد الجرح والتعديل على رواة اللغة وناقليها، وبينوا المتواتر منها من الآحاد.
فهذه الثلاثة: السنة المشرفة، والتاريخ، واللغة، نقلت كلها بطريق الرواية والإسناد، ويجب أن تبقى هكذا في نقلها وتدوينها ودراستها، وهي الميزة التي امتازت بها أمة الإسلام من بين أمم الأرض حتى يومنا هذا.
أما الشهادة فإن محلها القضاء، وهي عبارة عن توفير البيناتن ليستبين الواقع أمام القاضي لينزل الحكم عليه. فالشهادة حتى تكون شهادة لا بد وأن تكون في مجلس قضاء، وأن تعتمد على السماع والمعاينة، ويشترط في الشاهد العدالة، ولا يقبل فيها النقل ولا النيابة، ولا تقبل شهادة الأب لابنه، ولا الابن لأبيه، ولا الأخ لأخيه، بخلاف الرواية فإنها تكون عن الأب والأخ أو غير ذلك، فالمقصود من الشهادة هو توافر البينة أمام القاضي، وكذلك اشتراط الشهود للمبايعات والمناكحات، وكثير من المعاملات والعقود؛ إنما يكون من أجل توافر البينة فيما إذا حصل الخلاف. أما القضاء فهو (الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الالزام) ، ولا بد أن يكون مصحوبًا بالهيئة التنفيذية يرفع إليها لتنفيذه، وللمحافظة على هيبة القضاة.
وحكم القاضي ثابت لا ينتقض، كما أن حكم الحاكم ليس خبرًا يحتمل التصديق والتكذيب، بل هو إنشاء فلا يحتملهما، فهو إلزام أو إذن. ومن أنشأ إلزامًا على غيره أو على نفسه؛ أو أذن لغيره في فعل لا يقال له صدقت ولا كذبت.