فهرس الكتاب
وقد أفاض في بحثه للموضوع وأتى بأقوال كثيرة للعلماء، وأكثرُهم يقول بأن خبر الآحاد مفيد للظن ولا يفيد اليقين. والذي يقول منهم بأنه يفيد العلم فإنما يكون ذلك بوجود قرائن تقويه وترفعه إلى مرتبة اليقين. والأصل في الأخبار أنها إنما تفيد العلم أو الظن لذاتها، فالمتواتر يفيد العلم لذاته والآحاد يفيد الظن لذاته. بمعنى أن واقع حاله وحقيقة أمره مجردًا هو الذي أفاد ما أفاده، فتبقى القرائن أمرًا خارجًا عن الخبر منفصلة عنه. ولكن اعتبارها في الآحاد أمر لا بد منه إذ إنها لا تنفك عنه. لأن بها يحصل الترجيح. أيْ أن الذي يُخرج الخبر عن دائرة الشك ويضعه في دائرة الاحتمال والظن هو القرائن. أما ما مدى هذه القرائن من القوة والضعف والكثرة والقلة فهذا هو الذي ذهب ببعض العلماء لأن يقولوا بأن خبر الآحاد يفيد العلم النظري. والعلم النظري عندهم هو الظن القوي. والقرائن الخارجة لا دخل لها في نفس الخبر إذ يختلف الحكم باختلافها.
والخبر المحتفٌّ بالقرائن على أنواع منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر- على تقدير أن فيهما متواترًا-، فمن القرائن التي احتفَّتْ بالصحيحين هي عبارة عن مقويات خارجية منها: جلالتهما أي الشيخين: البخاري ومسلم- بكمال احتياطهما في شروطهما والتزامها الصحة في كتابيهما. وتقدمهما في تمييز الصحيح من غيره عن باقي كتب الصحاح. وتلقِّي العلماءِ لكتابيْهِما بالقبول. وهذا التلقّي وحده يعتبر من أقوى القرائن التي ترفعهما إلى مرتبة إفادة العلم النظري أقوى من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن حد التواتر.