فهرس الكتاب
قال ابن الصلاح - وهذا القول أورده السيوطي في شرح التقريب-: ما أخرجه الشيخان مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به خلافًا لمن نفى ذلك محتجًا بأن لا يفيد بأصله إلا الظن. وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن والظن قد يخطئ. وقد كنت أميل إلى هذا الرأي وأحسبه قويًا ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولا هو الصحيح، لأن الظن ممن هو معصوم من الخطأ لا يخطئ. والأمة في إجماعها معصومة عن الخطأ ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد أي الذي مستنده القياس حجة مقطوعًا بها وأكثر جماعات العلماء كذلك.
قال النووي: ما ذكره ابن الصلاح خلافًا لما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن، فإنها آحاد، والآحاد إنما تفيد الظن على ما تَقَرَّرَ. ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك. وتلقّي الأمة بالقبول إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توقف على النظر فيه، بخلاف غيرهما فلا يعمل به حتى ينظر في رجاله، ويوجد فيه شرط التصحيح. ولا يلزم من إجماع العلماء على العمل بما فيهما إجماعهم على القطع بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
وحكى تغليظ مقالة ابن الصلاح عن ابن برهان، وكذا عابه ابن عبد السلام. ويكفينا في الرد على ابن الصلاح- على جلالته في علم الحديث- يكفينا رد إمامين جليلين. هما الإمام النووي والإمام العز بن عبد السلام، وكيف يكون هناك أمر يفيد العلم واليقين ويحصل فيه اختلاف بين العلماء والمجتهدين. ومعروف أن الخلاف لا يكون إلا فيما يفيده الظني، وأما القطعي فلا خلاف فيه. فيكفي اختلاف العلماء في هذا الأمر ليخرجه من دائرة العلم إلى دائرة الظن.