الصفحة 136 من 169

القول الأول: أن خبر الواحد يفيد العلم. وقد استدل لهذا القول بأدلة خلاصتها:

أن الأمة قد أجمعت على العمل بخبر الواحد واتباعه، ولولا أنه مفيد للعلم غير مقتصر على الظن؛ لَما وجب العمل به؛ بل لم يجز، لأن الله سبحانه وتعالى نهى عن اتباع الظن فقال: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (1) ، وذمّ متّبعي الظن: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ) ، وغيرهما من الآيات فدل على حرمة اتباع الظن.

أن خبر الواحد لو لم يكن مفيدًا للعلم لما أوجبه، وإن كثر العدد إلى حد التواتر، لأن ما جاز على الأول جاز على الثاني.

لو لم يكن موجبًا للعلم لما أبيح قتل المقر بالقتل على نفسه، ولا بشهادة اثنين عليه، ولما وجبت الحدود بأخبار الآحاد لكون ذلك قاضيًا على دليل العقل وبراءة الذمة.

ما ورد عن علي قال: ( ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته سوى أبي بكر) ، فقد صدق أبا بكر وقطع بصدقه وهو واحد.

وقد استدل ابن حزم -رحمه الله- على أن خبر الواحد يفيد العلم وانتصر لهذا القول، ورد على القائلين بأنه لا يفيده، كما شنع على الذين لا يعملون بموجبه من المعتزلة الخوارج.

وأقوى دليل اعتمد عليه في أن خبر الواحد يفيد العلم، وأنه لا يجوز فيه الكذب والوهن؛ هو أن كلام الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الدين كله وحي من عند الله، وأن كل وحي نزل من عند الله فهو ذكر منزل، وقد تكفل الله بحفظ الذكر المنزل، وضمن ألا يضيع منه شيء، ولا يحرف، ولو جاز شيء من ذلك لكان كلام الله كذبًا، وهذا لا يخطر بالبال. فوجب أن الدين الذي جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم محفوظ مبلغ إلى كل من طلبه، ولا سبيل إلى اختلاطه بباطل، وبنى على ذلك كله أن خبر الواحد يفيد العلم وأفاض القول في هذه المسألة كثيرًا.

القول الثاني: أدلة القائلين بأن خبر الواحد يفيد الظن لا العلم:

استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:

(1) الإسراء / 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت