فهرس الكتاب
""""صفحة رقم 343""""
ومن ذلك الاقتصار في الأفعال والأحوال على ما يخالف محبة النفوس وحملها على ذلك في كل شىء من غير استثناء فهو من قبيل التشديد
ألا ترى أن الشارع أباح أشياء مما فيه قضاء تهمة النفس وتمتعها واستلذاذها فلو كانت مخالفتها برا لشرع ولندب الناس إلى تركه فلم يكن مباحا بل مندوب الترك أو مكروه الفعل
وأيضا فإن الله تعالى وضع في الأمور المتناولة إيجابا أو ندبا اشياء من المستلذات الحاملة على تناول تلك الأمور لتكون تلك اللذات كالحادي إلى القيام بتلك الأمور كما جعل في الأوامر إذا امتثلت وفي النواهي إذا اجتنبت أجورا منتظرة ولو شاء لم يفعل وجعل في الأوامر إذا تركت والنواهي إذا ارتكبت جزاءا على خلاف الأول ليكون جميع ذلك منهضا لعزائم المكلفين في الامتثال حتى إنه وضع لأهل الأمتثال الثائرين على المبايعة في أنفس التكاليف أنواعا من اللذات العاجلة والأنوار الشارحة للصدور مالا يعدله من لذات الدنيا شىء حتى يكون سببا لاستلذاذ الطاعة والفرار إليها وتفضيلها على غيرها فيخف على العامل العمل حتى يتحمل منه لما لم يكن قادرا قبل على تحمله إلا بالمشقة المنهى عنها فإذا سقطت سقط النهى
بل تأملوا كيف وضع للاطعمة على اختلافها لذات مختلفات الألوان وللأشربة كذلك وللوقوع الموضوع سببا لاكتساب العيال - وهو اشد تعبا عن النفس - لذة أعلى من لذة المطعم والمشرب إلى غير ذلك من الأمور الخارجة عن نسف المتناول كوضع القبول في الأرض وترفيع المنازل والتقدم على سائر الناس في الأمور العظائم وهي أيضا تقتضى لذات تستصغر في جنبها لذات الدنيا
وإذا كان كذلك فأين هذا الموضع الكريم من الرب اللطيف الخبير فمن يأتى متعبدا بزعمه بخلاف ما وضع الشارع له من الرفق والتيسير والاسباب الموصلة