فهرس الكتاب
""""صفحة رقم 356""""
ولما اراد أبو بكر رضى الله عنه قتال مانعى الزكاة احتجوا عليه بالحديث المشهور فرد عليهم ما استدلوا به بغير ما استدلوا به وذلك قوله إلا بحقها فقال الزكاة حق المال - ثم قال والله لو منعونى عقالا أو عناقا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لقاتلتهم عليه
فتأملوا هذا المعنى فإن فيه نكتتين مما نحن فيه إحداهما أنه لم يجعل لأحد سبيلا إلى جريان الأمر في زمانه على غير ما كان يجرى في زمان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وإن كان بتأويل لان من لم يرتد من المانعين إنما منع تأويلا وفي هذا القسم وقع النزاع بين الصحابة لا فيمن ارتد رأسا
ولكن أبا بكر لم يعذر بالتاويل والجهل ونظر إلى حقيقة ما كان الأمر عليه فطلبه إلى أقصاه حتى قال والله لو منعونى عقالا إلى آخره
مع ان الذين اشاروا عليه بترك قتالهم إنما اشاروا عليه بأمر مصلحى ظاهر تعضده مسائل شرعية وقواعد أصولية لكن الدليل الشرعى الصريح كان عنده ظاهرا فلم تقو عنده آراء الرجال أن تعارض الدليل الظاهر فالتزمه ثم رجع المشيرون عليه بالترك إلى صحة دليله تقديما للحاكم الحق وهو الشرع
والثانية أن أبا بكر رضى الله عنه لم يلتفت إلى ما يلقى هو والمسلمون في طرق طلب إذ لما امتنعوا صار مظنة للقتال وهلاك من شاء الله من الفرقتين ودخول المشقة على المسلمين في الأنفس والأموال والأولاد ولكنه رضى الله عنه لم يعبتر إلا إقامة الملة على حسب ما كانت قبل فكان ذلك اصلا في انه لا يعبتر العوارض الطارئة في إقامة الدين وشعائر الإسلام نظير ما قال الله تعالى