الصفحة 54 من 73

«وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس في البوادي والحواضر إنما هو البغي ، وترك العدل ؛ فإن إحدى الطائفتين قد يصيب بعضها بعضًا من الأخرى: دمًا ، ومالًا ، أو تعلو عليهم بالباطل ولا تنصفها ، ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق ؛ فالواجب في كتاب الله الحكم بين الناس في الدماء والأموال وغيرها بالقسط الذي أمر الله به ، ومحو ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية ، وإذا أصلح مصلح بينهما فليصلح بالعدل» (1) .

وهذا يؤيد ما ذكرناه ، ولله الحمد .

ومن هنا ينفتح ما أغلق في مسألة التحسين والتقبيح العقلي ؛ فإن العقول لا تستقل بمعرفة العقوبات والحقوق الشرعية . قد تعلم قبح الشرك، والزنا ، والسرقة بالعقول ، ولكن لا تعلم ـ مثلًا ـ ما هو الواجب في عقوبة السارق ، أو الواجب في عقوبة الزاني ، فهي تعرف قبح هذه الأشياء بالإجمال ، فليس لوصول العقول إلى تفاصيل الشرائع من سبيل إلا بالشرع المنزل .

وبعد بلوغ الشرع للناس: ببعثة النبي ، ونزول الوحي من السماء، لم يعد للتحسين والتقبيح العقلي كبير فائدة ؛ لأن الله كفانا بيان ذلك بالشرع (2) .

ومن ذلك العدل في الحكم بين الناس: فتخليص الإنسان حقه على

الوجه الصحيح دون زيادة أو نقصان ، وإنزال العقوبة على خصمه دون تعدٍّ أو تساهل لا يُعرف إلا بالشرع ، ولا يكون إلا بالشرع . نعم ؛ يُعلم بالعقل أن العدل مشتمل على مصلحة العالم ، والظلم يشتمل على فسادهم، ولكن هذا من حيث الإجمال ، وأما تفاصيل العدل والظلم ؛ فلا تُعلم إلا بورود الشرع ، ولا تستقل العقول بمعرفتها .

والذي يجب على الخلق كلهم اتباع الشرع المنزلِ ، لا اتباع ما تستحسنه العقول ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة لا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ الذي زعم هذا المعترض أنه يفهم كلامه !! فيقال له: (ليْسَ هذَا عشّكِ فادْرُجِ !!) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت