الصفحة 151 من 263

وقال: (وهو سبحانه خالق الخير والشر فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه كما تقدم فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وذلك خير كله والشر وضع الشيء في غير محله فإذا وضع في محله لم يكن شرا فعلم أن الشر ليس إليه وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك فإن منها القدوس السلام العزيز الجبار المتكبر فالقدوس المنزه من كل شر ونقص وعيب كما قال أهل التفسير هو الطاهر من كل عيب المنزه عما لا يليق به) . [1]

ف (الخير والشر كلاهما مخلوقان مقدَّران لله تعالى، لا يكون شيء منهما إلا بإذنه، فهو خالقهما جميعا، وهذا قول أهل السنة، غير أن الشر لا يضاف إليه على انفراد لما فيه من توهُّم النقص والعيب.) [2]

قال الشيخ الالباني في تحقيقه للكلم الطيب لابن تيمية: قال المصنف:(اعْلَمْ أَنَّ مذْهَبَ أَهل الحقِّ من المُحدِّثين والفقهاء من الصحابة والتابعين ومَن بَعْدَهم من عُلماء المسلمين: أّن جميع الكائناتِ خَيْرها وشرّها، نفْعَها وضرَّها، كُلُّها مِنَ الله تعالى وبإٍرادَته وتَقْديرِه، فلا بُدّ منْ تأويل الحديث، فَذَكَر العلماء فيه أَجْوبَة: ً

أَحدها: وهو أَشْهَرُها؛ قاله النَّضْر بن شُمَيْل والأئِمَّة بعْدَهُ - أَن معناه: والشر لا يُتَقَرّبُ بِهِ إٍلَيْكَ.

والثاني: لا يَصْعَدُ إليْك، إنما يصْعدُ الكَلِمُ الطّيّبُ.

والثالث: لا يُضاف إِلَيْك أَدبًا، فلا يُقال: يا خالِق الشرِّ، وإِن كان خالقه، كما لا يقال: يا خالِق الخنازير، وإِن كان خالِقها.

والرابع: ليس شرًا بالنِّسبة إِلى حكْمَتِكَ، فإنك لا تَخْلُقُ شَيْئًا عبثًا). [3]

إن أفعال الله تعالى متمحّضةٌ بالخيريّة، فلا يُنسب إليه الشر إليه مفردًا أبدًا، والشر لم يضف إلى الله في الكتاب والسنة إلا على أحد وجوه ثلاثة: [4]

إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنعام/101) ،

وإما أن يضاف إلى السبب، كقوله تعالى: (مِن شَرِّ مَا خَلَقَ) (الفلق/2) ،

وإما أن يُحذف فاعله، كقول الجن: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) (الجن/10) .

ومن هنا يُعلم كمال أدب الأنبياء والمرسلين، فإن الخضر عليه السلام عندما خرق السفينة وفعل فيها ما ظاهره فعل سوء، قال مخبرًا: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (الكهف/79) ، ولم يقل: (فأراد ربك أن أعيبها) ، بينما قال في الغلامين: (ن فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا) (الكهف/ 82) ، ونجد إبراهيم عليه السلام يستدلّ على ربوبيّة الخالق سبحانه بأفعاله فيقول: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ? وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ? وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء/78 - 80) ، فعندما جاء إلى مسألة المرض نسب المرض إلى نفسه، ولم يقل: (وإذا أمرضني) حفظًا للأدب مع الله تعالى.

قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعاء الاستفتاح(والخير بيديك والشر ليس إليك) ، وسواء أريد به: أنه لا يضاف إليك ولا يتقرب به إليك أو قيل إن الشر إما عدم وإما من لوازم العدم وكلاهما ليس إلى الله، فهذا يبين أنه سبحانه إنما يضاف إليه الخير وأسماؤه تدل على صفاته، وذلك كله خير حسن جميل ليس فيه شر، وإنما وقع الشر في المخلوقات، قال تعالى: (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم) ، (وأن عذابي هو العذاب الأليم) ، وقال تعالى: (اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم) ،

(1) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل/ العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، الناشر دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1398 هـ/1978 م، ص 179.

(2) اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث/ الشيخ محمد بن عبد الرحمن الخميس، نسخة الكترونية، موقع الإسلام، http://www.al-islam.com

(3) انظر غير مأمور ص 48 و 100 من الكلم الطيب لابن تيمية بتحقيق الشيخ الألباني، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية للطبعة الشرعية الوحيدة،1422 هـ-2002 م. وانظر نيل الاوطار في تخريج أحاديث كتاب الاذكار للنووي/ الشيخ سليم الهلالي، دار ابن حزم، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 1425 هـ -2004 م، 1/ 126 - 127، تجد النص عند الامام النووي أيضا، فاقتضى التنبيه. وانظر بدائع الفوائد للعلامة ابن القيم الجوزية 2/ 724. وانظر نيل الاوطار للشوكاني، دار الكلم الطيب، دمشق - بيروت، الطبعة الثالثة 1426 هـ - 2005 م، 1/ 754 - 755.

(4) انظر غير مأمور: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، 8/ 401 و 447 و 511 - 512 و 14/ 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت